فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 2536

قوله تعالى: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا) - الفاء متعلقة بما قبلها والمخاطب في ظاهر اللفظ هو الرسول (ص) - وفي حقيقة التكليف بالقتال وحده وردت عدّة أقوال نستخلص منها أقربها إلى الصواب وأبعدها عن الغرابة في الحكم - وهو أن النبي (ص) مأمور بقتال المشركين بنفسه أما من نكل عن مشاركته في القتال من المسلمين فلا بأس ولا تثريب عليه (أي البني) أي لا تلزم فعل غيرك ولست مؤاخذا به، وشبيه بذلك ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه - أي أن الخطاب موجه لك يا محمد ولكل واحد من أمتك وهو:"فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلا نفسك"فكل مسلم مكلف قد نيطت به وحده وجيبة الجهاد بمفرده ولا عليه بعد ذلك إن نكل عنه الآخرون أو تخلّفوا.

ويأمر الله نبيّه كذلك بتحريض المؤمنين على قتال المشركين والمتربصين - والتحريض هو الحض والتشجيع - فإن في تحريضه على القتال واشتداد المسلمين في التصدي للأعداء ومقارعتهم ما عساه أن يكون سببا في أن يكف الله عن المسلمين سلطان عدوّهم وسطوته فيرتد خاسرا مدحورا.

قوله: (والله أشد بأسا وأشد تنكيلا) البأس هو الصولة والمنعة والشدّة - والتنكيل بمعنى العقوبة - وبذلك فإن قوة الله تفوق كل قوة وعقوبته موجعة أليمة تدنو دونها كل عقوبة، فهو سبحانه القادر على التنكيل بالفسّاق والمجرمين وعلى أن يذيقهم من شديد عذابه ما لم يكونوا يتصوّرون 120.

قوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا) .

الشفاعة في اللغة من الشفع وهو العدد الزوجي خلافا للفرد أو الوتر وفي الآية: (والشفع والوتر) ومنه الشفيع سميّ بذلك؛ لأنه في ضمه إلى صاحب الحاجة يصير شفعا أي زوجا - وبعبارة أخرى فإن الشفع معناه: ضم ذات إلى ذات أخرى - وعلى ذلك فإن الشفاعة تعني أن ينضم واحد بجاهه واعتباره إلى آخر لما في ذلك من إظهار لمنزلة الشفيع بقصد إيصال المنفعة إلى المشفوع له 121.

واختلف أهل التأويل في حقيقة المقصود من هذه الآية على جملة أقوال - ويمكن استخلاص الصحيح منها لنعلم أنها تتعلق بشفاعات الناس في حوائجه فيما بينهم - فمن سعى سعيا ترتب عليه وصول خير أو منفعة للآخرين كأن يكون ذلك تحصيلا لمنفعة أو تحقيقا لمصلحة أو إظهارا لحق مضيّع أو دفعا لضرر، فإن في ذلك أجرا ومثوبة للساعي الشفيع - يقول النبي (ص) :"اشفعوا تؤجروا"رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت