قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} ذلك تنديد من الله بالمشركين الظالمين الذين يخاصمون في آيات الله وهي كتبه المنزلة من عند الله وما فيها من أحكام وأخبار وأدلة ومعجزات {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي يخاصمون في كل ذلك بغير برهان ظاهر ولا حجة نَيِّرة - وهذا عام في كل مجادل مُبْطل يخاصم في آيات الله سفها بغير علم ولا حجة {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} الجملة في موضع رفع خبر {إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ} و {إن} نافية؛ أي ما في قلوب هؤلاء المخاصمين الذين يحاجّون بالباطل إلا الغرور والاستكبار عن الحق وعن التعلم والاستفسار وطلب المعرفة - أو هو إرادة الرياسة أو أن تكون لهم النبوة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا من عند أنفسهم.
قوله: {مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} أي ما هم ببالغي موجب كبرهم وما يقتضيه وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من طمع في الرياسة أو النبوة - وقيل: المعنى ما يحملهم على تكذيبك يا محمد إلا ما في صدورهم من الكبر عليك، وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر؛ لأن الله قد أذلهم وأخزاهم.
قوله: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أي احْتَم بالله والتجئ إليه من كيد الذين يحسدونك ويبغون عليك - والله جل وعلا يسمع ما تقولون ويقولون - وهو كذلك بصير بكم وبما تفعلون ويفعلون، لا يخفى عليه من ذلك شيء - والله جل جلاله ناصرك ومؤيدك وعاصمك من كيد الظالمين والمتربصين والحاقدين ومكرهم 26.
قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (57) } .
ذلك تنبيه من الله على حقيقة كونية مذهلة، وهي زوال الدنيا وفناء العالمين وقيام الساعة ليقوم الناس للحساب والجزاء - وهذه حقيقة أساسية مركوزة في صميم العقيدة الإسلامية؛ بل هي ركن أساسي ركين أجمعت عليه الأديان السماوية كافة وجاء بها النبيون والمرسلون - فما يكذِّب بهذه الحقيقة الركينة الكبرى إلا كل خاسر ظلوم أو غافل تائهٍ جهول قد أودى بنفسه في الأذلين الأخسرين والله جل وعلا يؤكد على حقيقة القامة تأكيدا؛ إذ يبين للناس أن بعث العالمين وإحياء الموتى للحساب أمر هين يسر على الله، بل ذلك أهون على الله م خلق هذا الكون الهائل المثير - وهو قوله سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} كلا المصدري وهما: خلق السماوات والأرض، وخلق الناس، مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف وهو لفظ الجلالة 27 والمعنى: أن خَلْقَ الله تعالى السماوات والأرض أعظم من خَلْقِهِ الناس؛ لأن الناس بالنسبة إلى السماوات والأرض وما فيهما من الخلائق والأجرام العظام كأنهم لا شيء - والمراد من ذلك: أن من قدر على خلق الخلائق العظام والأجرام الهائلة الجسام لهو أقدر على خلق ما هو دو ذلك مما هو بالغ الهوان والبساطة.
قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أكثر الناس ضالون غافلون عن هذه الحقيقة المبيَّنة في الآية فهم سادرون في الغفلة والعِماية، لاهون عن التفكر في جلال الله وفي عظيم شأه وجبروته.