فهرس الكتاب
والمراد إنكار الغفلة التي تحيط بعقول هؤلاء الظالمين الذين يمكرون بالنبي والذين معه من المؤمنين؛ إذ لم يتدبروا آيات الله وحججه ودلائله في الكون والطبيعة - ومنها، أنه ما من جسم قائم كشجر أو جبل أو بناء أو غير ذلك إلا (يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل) أي يرجع من موضع إلى موضع - والمقصود باليمين أول النهار، وأما الشمائل فآخر النهار، وقد أفرد اليمين وجمع الشمائل؛ لأن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع، عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد، وعن الثاني بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) وقيل غير ذلك من التأويل.
على أن ظاهرة الظل وحدها عجيبة من العجائب التي صنعها الله في هذا العالم - وتلك واحدة من ظواهر الطبيعة الكاثرة التي تستوقف النظر وتستثير الحس - وما أكثر الظواهر المثيرة في هذا الوجود والتي تستحق بالغ التدبر والتفكر والذكرى، وتقطع في الدلالة على أن الله حق، وأنه في بالغ قدرته وكمال علمه وسلطانه موجود الوجود.
قوله: (سجدا لله وهم داخرون) (سجدا) حال من الظلال؛ أي حال كون الظلال سجدا - واختلف المفسرون في تأويل قوله: (سجدا لله) والأظهر أن الموصوف بالسجود في هذه الآية هي ظلال الأشياء؛ فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال - وهو اختيار الإمام الطبري إذ قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر في هذه الآية ظلال الأشياء هي التي تسجد وسجودها ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب وناحية إلى ناحية (وهم داخرون) أي صاغرون، يقال: دخر يدْخر دخورا؛ أي صغر يصغر صغارا، أو ذل وهان 50 - والمراد: أن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره سواء في ذلك سكونها أو دورانها أو ميلانها - والجملة (وهم داخرون) حال كذلك من الظلال.
قوله: (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة) المراد بالدابة كل ما دب على الأرض من الكائنات الحية سواء فيها العاقل وهم بنو آدم، أو غير العاقل من العجماوات - فما من كائن إلا ويسجد لله - على أن سجود المؤمنين الصادقين من بني آدم معروف - لكن سجود غيرهم من الكافرين والذين لا يعقلون يقع على هيئة يعلمها الله.
وقد أطلعنا القرآن على أن ظلال الأشياء والأجسام جميعا تسجد لله - وقيل في هذا الصدد: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك الشيء ساجدا أم لا.
قوله: (والملائكة) معطوف على ما قبله مما ذكر - وقد عطف للتعظيم كعطف جبريل على الملائكة - والمراد ملائكة السماء والأرض - والمعنى: أن الله يسجد له ما في السموات وما في الأرض من الدواب والملائكة (وهم لا يستكبرون) عن التذلل له والخشوع، والجاحدون المستكبرون قلوبهم منكرة لكن ظلالهم تسجد لله بميلانها ودورانها وحركتها.
قوله: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} المراد بالخائفين الملائكة؛ فإنهم (يخافون ربهم من فوقهم) أي يخافون عذاب ربهم أن ينزل عليهم من فوقهم - وقيل: المراد مخافة الإجلال والتعظيم لله سبحانه - كقوله: (وهو القاهر فوق عباده) قال الرازي: هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة - فظاهر الآية يدل على كونهم أفضل المخلوقات - قوله: (ويفعلون ما يؤمرون) يؤدون حقوق الله وينتهون عن نواهيه غير مفرطين ولا مقصرين 51.