قوله: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} أي فعل الله بهؤلاء المشركين ما فعله من تعذيب بالقتل والإذلال بسبب جحودهم نعمة الله، كشأنه سبحانه في عقاب الظالمين الجاحدين في كل زمان؛ فقد أخذ آل فرعون والذين من قبلهم فأهلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالريح العاصفة المدمرة - ثم أغرق آل فرعون وأوقع بهم أشد العذاب - وذلك كله بسبب جحودهم نعمة ربهم على اختلاف هذه النعم - سواء في ذلك نعمة الهداية والدين - أو نعمة الدنيا كالأموال والأولاد والرخاء والأمن والسعة 65.
قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون 55 الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون 56 فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون} أي أن شر ما دب على الأرض منا الكائنات والبرية عند الله أولئك الذين كفروا بربهم؛ فجحدوا وحدانيته، وكذبوا رسله المبعوثين لهم هداة ورحمة، ورفضوا منهج الله الكريم الهادي.
أولئك {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} لقد نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا المشركين بالسلاح والرأي وظاهروهم على المسلمين - ثم اعتذروا قائلين: نسيبا - فعاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم ثانية فنقضوا عهدهم معه يوم الخندق - والمراد بهم بنو قريظة وبنو النضير؛ فقد كانوا يعاهدون النبي صلى الله عليه وسلم على الموادعة والصلح ثم لم يلبثوا أن ينقضوا العهد معه كلما لاحت لهم فرصة للنقض.
قوله: {وهم لا يتقون} أي لا يخافون مما فعلوه من الجحود والتكذيب والخيانة أن تجتاحهم النوائب والمحن من الله فتهلكهم إهلاكا - ولا غرو فغن الذين مردوا على التدسس والغدر وخيانة العهود والمواثيق لا يملكون زمام أنفسهم المبتذلة الشوهاء وهم ينزلقون سراعا نحو المخالفات والمعاصي بالرغم من يقينهم المسبق أن ما اجترحوه سيفضي بهم إلى المهاوي والمهالك.
قوله: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون} {تثقفنهم} أي تظفر بهم من الثقف وهو الإدراك والأخذ والظفر 66.
والمعنى: فإما تلقين في الحرب هؤلاء الذين عاهدتهم فنقضوا عهدك مرة بعد أخرى من قريضة ونظرائهم فتأسرهم وتظفر بهم {فشرد بهم خلفهم} وهو من التشريد؛ أي التطريد والتبديد والتفريق؛ فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا ظفر بالذين ينقضون العهد من هؤلاء الخائنين أن ينكل بهم تنكيلا ويثخن فيهم القتل إثخانا يخيف الذين من ورائهم من أتباعهم وأعوانهم الظالمين كيلا يجترءوا على مثل ما اجترأ عليه هؤلاء الغادرون من الخيانة ونقص العهود.
قوله: {لعلهم يذكرون} أي لكي يتعظون بما فعلت بهؤلاء من التنكيل والإثخان في القتل فيحذروا نقص العهود معك مخافة أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء الناقضين 67.