فهرس الكتاب

الصفحة 1042 من 2536

قوله: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} وهذا أمر بمعنى التهديد؛ أي فليضحكوا فرحين قليلا في هذه الدنيا الفانية بقعودهم في منازلهم مخالفين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ خرج إلى لقاء الكافرين - وفي المقابل ليبكوا طويلا وهم في جهنم - قال ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيما ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل؛ استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا.

وقيل: الآية أمر بمعنى الخبر؛ أي أنهم سيضحكون قليلا وسيبكون كثيرا {جزاء بما كانوا يكسبون} أي جزاء من الله على تخلفهم عن رسول الله وانثنائهم عن الخروج للقاء الكافرين 163.

قوله تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين 83 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} {رجعك الله} ، مع الرجع، بالسكون؛ وهو مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه - نقول: رجعته رجعا؛ أي رددته ردا - والمراد بالطائفة في الآية، طائفة المنافقين، وقد ذكر أنهم كانوا اثني عشر رجلا - وقد خصص الطائفة؛ لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين كالعجزة من المسنين والنساء والمرضى.

والمعنى: إن ردك الله يا محمد من غزوتك هذه إلى المدينة حيث المنافقون فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} أمر الله نبيه الكريم أن يقول لهم ذلك عقابا هم وتعزيزا، وقد علل ذلك في الآية بقوله: {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين} أي الرجال الذين تخلفوا عن الجهاد - والمعنى: اقعدوا مع الذين قعدوا من المنافقين مخالفين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد صرتم منهم وأنتم الآن على ملتهم وطريقتهم.

قوله: {ولا تصل على أحد منهم أبدا} نزلت هذه الآية في شأن الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول؛ فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه - فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا كذا وكذا -يعدد أيامه؟ - قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: (أخر عني يا عمر - إني خيرت فاخترت - قد قيل لي: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} لو أعلم أني لو زدت على سبعين غفر له لزدت) قال: ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه - قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: فوالله ما كان يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} الآية، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل - فيستدل من ذلك على عدم الصلاة على المنافق الذي يظهر للمسلمين أنه منهم ولكنه يكتم في قلبه الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت