فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 2536

والمعنى: أن الله أجرى على لسانهم في القول الأول، ثم انقلبوا منكوسين مرتطمين في غيهم - فردوا بذلك إلى الشقاوة والكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم - ثم قالوا في لجاجة وعناد: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) ؛ يعني إنك لتعلم يا إبراهيم أن هذه الأصنام عاجزة عن النطق، فكيف تأمرنا بسؤالها ومخاطبتها؟! وهذا غاية في جلاء البرهان على أنهم ظالمون مبطلون، وهو أبلغ في الكشف عن إيغالهم في السفه والسخف وهوان الأحلام.

قوله: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم} استفهام توبيخ وتقريع، بعد أن اعترفوا أن هذه الأصنام جامدة صماء لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، وما هي إلا تماثيل بلهاء خرساء، لا تنطق ولا تعي

ومع ذلك كله فإنهم يعبدونها من دون الله.

قوله: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله) (أف) كلمة تضجر وتكرّه، بتشديد الراء - وتأفف من كرب أو ضجر 29؛ فقد شجر إبراهيم من هؤلاء المشركين ومن عبادتهم الفاسدة - وقال في صوت المتضجر"قبحا لكم ولأصنامكم التي تعبدونها (أفلا تعقلون) أفلا تفهمون أن هذه تماثيل جامدة صماء لا تعي ولا تدرك - ومن كانت هذه صفته فيما يليق بذي عقل أن يعبده."

ولما قامت الحجة عليهم ورأوا وضوح الدلائل والبينات وأيقنوا أنهم ماضون في الباطل؛ لجوا في المعاندة والاستكبار وتمادوا في العتو والجحود فقالوا: (حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) بعد أن استبان زيف دعواهم وفساد مزعمهم وأن حجتهم داحضة وليس لهم أمام الحق من دليل ولا برهان إلا التلبس بالحماقة وأوهام التماثيل والأصنام، عدلوا كعادة المكابرين والمعاندين المفلسين- إلى الطغيان والتسلط والقوة - فقال بعضهم لبعض: (حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) أي انصروها بالانتقام من إبراهيم بما فعله فيها من تهشيم إن كنتم تنتصرون لآلهتكم - من أجل ذلك راموا تحريقه في النار مبالغة في الانتقام والتنكيل - والتحريق بالنار أفظع ضروب النكال الذي يعذب به كائن - وهم لاشتداد غضبهم وفرط تشبثهم بالأصنام وحبهم لها مع ما يخالط عقولهم من الضلال والسفه والظلم- فقد اختاروا النار لتعذيب إبراهيم بها ثم قتله جزاء ما يدعوهم من عبادة الله وحده - وما ينبغي هنا الإسهاب في بيان مسائل جانبية مما لا يخلو من إفراط الإسرائيليات، كعدة حبسه عليه السلام، ومدة جمع الحطب، ومدة سنه إذ ذاك، ومدة إقامته في النار وغير ذلك من المسائل الجانبية التي كثرت فيها الأقوال - والأهم من ذلك كله جوهر المسألة هنا وهو تمالؤ القوم المجرمين وعلى رأسهم الطاغية الأكبر نمروذ - تمالؤهم على تحريق إبراهيم في النار؛ وذلك أفظع ما تتصوره العقول عن مواجهة الطغاة لداعي الحق، وهو ما يبتغي لهم غير الهداية والرشاد والكف عن ضلال الشرك والوثنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت