على أن هذه الآية واحدة من محكمات الكتاب الحكيم بما انطوت عليه من صورة جلية للتوحيد الكامل لجلال الله، المتصف بكل صفات الكمال والجلال، المبرأ من كل العيوب والنقصان - وفي اشتمال هذه الآية على اسم الله الأعظم أخرج الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) و (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) :"إن فيهما اسم الله الأعظم"10.
وكذلك في الحديث المرفوع عن أبي أمامة قال:"اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه - وقد قيل: أما البقرة: ف (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ، وفي آل عمران: (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) - وفي طه: (وعنت الوجوه للحي القيوم) 11."
قوله: (نزل عليكم الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه) المخاطب هنا الرسول صلى الله عليه و سلم فقد نزل الله عليه كتابه الحكيم (القرآن) منجما - أي نزل نجوما، شيئا بعد شيء تبعا للحوادث والوقائع ومقتضيات العقيدة وأحكام الشريعة وأحوال المسلمين - فقد أنزل الله كتابه هكذا بالحق، أي بالصدق وبالحجج البالغة المحققة أنه من عند الله - (مصدقا) حال منصوب - (لما بين يديه) أي أنه مصدق لكتب الله السابقة التي أنزلها على النبيين عليهم الصلاة والسلام من قبل الرسول الخاتم صلى الله عليه و سلم.
قوله: (وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس) التوراة والإنجيل كلمتان غير عربيتين في الراجح منهما اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية - ولا وجه للحديث عن أصلهما واشتقاقهما مادام غير عربيين.
والمراد أن الله أنزل هذين الكتابين ترتيبا على موسى والمسيح عليهما الصلاة والسلام ليكون هذان الكتابان هداية للناس من قبل أن يتنزل القرآن، وذلك بما تضمنه هذا الكتاب.
كلام للمؤلف في آيات المقطع له صلة: الآية 3 إظهار
قوله: (وأنزل الفرقان) أي القرآن، سمي بذلك تعظيما له ومدحا؛ لأنه الفارق بين الهدى والضلال، والحق الباطل، والغي والرشاد.
الحكيم المعجز من حجج مستبينات ودلائل واضحات وبراهين ساطعات - وقيل: المراد بالفرقان: جنس الكتب الإلهية كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، فإنها فارقة بين الحق والباطل - ومثل هذا القول ضعيف، والصواب أنه القرآن؛ لأنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل 12.
قوله: (إن الذين كفروا بآيات اللهم لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) - ذلك وعيد من الله للكافرين الذين كذبوا آياته وجحدوا كتبه وردوها بالباطل - أولئك قد توعدهم الله بعذابه الشديد يوم القيامة حيث الهوان والتحريق والعاقبة الرهيبة البئيسة للمكذبين - ذلك أن الله (عزيز) أي منيع الجناب عظيم السلطان (ذو انتقام) لا جرم أنه منتقم من المكذبين المخالفين لرسله الكرام 13.