(ومن) اسم شرط - (يقاتل) جملة الشرط، وجوابه: (فسوف نؤتيه - -.) وذلك وعد من الله للمجاهدين الذين يقاتلون لإعلاء كلمته وفي سبيله أنه سوف يعطيهم عظيم الأجر والمثوبة - والوعد بالعطاء للمجاهدين قائم سواء كتب لّهم الموت والشهادة أو كان لهم النصر والغلبة، فعادوا إلى مساكنهم سالمين - ويدل ظاهر الآية على التسوية بين الذي يقتل شهيدا أو الذي يعود إلى أهله سالما غانما ما دام الشرط الأساسي متحققا وهو إخلاص النية في القتال لله وحده من غير إشراك أو رياء - ويعزّز ذلك قول الرسول (ص) فيما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:"تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة".
والراجح عندي هنا عدم التسوية هنا بين الذي يموت شهيدا فيمضي إلى جوار ربه مع قوافل الشهداء والأبرار وبين المنقلب إلى أهله يحمل معه السلامة والغنيمة - والقول بالتسوية بينهما يوحي بأن الشهيد والعائد سالما، فيما بذلاه مستويان والحقيقة أنهما غير مستويين - فالشهيد قد بذل الروح ثم مضى إلى ربه مفارقا هذه الدنيا حيث الأهل والصحب والمال والولد والدار - لكن الآخر لم يفقد من ذلك شيئا - وبذلك فإني أحسب أنهما لا يستويان إلا في مجرد الخروج لقتال العدو.
أما الحديث المذكور آنفا فلا أرى فيه تعزيزا لمفهوم التسوية - وهو إنما يدل على عظيم الجزاء للشهيد والعائد كليهما وهو كذلك يتضمن تكفلا من الله لمن يجاهد في سبيله أن يدخله الجنة إن مات أو أن يعيده إلى مسكنه غانما مأجورا؛ وذلك لتوفر الشرط الذي يعوّل عليه قبل كل شيء من أجل القبول وذلك هو الإخلاص - وإذا لم يتوفر الإخلاص في القول والعمل فلا يرتجى بعد ذلك جزاء أو ثواب ولا قبول أو رضى - والله تعالى أعلم 113.
75 - (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)
قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الله الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) .
قوله: (وما لكم) ما، في محل رفع مبتدأ - لكم خبره وجملة (لا تقاتلون) في محل نصب حال - وهذا استفهام إنكاري يتضمن تنديدا بالتخاذل عن الجهاد وقتال المشركين والأعداء - والأصل في العمل كله كيفما كان أن تتوجه فيه المقاصد والنوايا إلى الله، وتلك هي سبيل المؤمنين العاملين الذين يمضون في الحياة مخلصين من دون إشراك أو رياء - ذلك هو الأصل الذي يجب أن يظل مركوزا في الرؤوس بغير مبارحة - ولا تكون الأعمال بغير ذلك إلا التصرف الشخصي الممحض والذي لا يساوي في ميزان الله شيئا - وثمة أعمال وممارسات أخرى تنبثق عن الأصل الأكبر (سبيل الله) ويتضح ذلك في قوله سبحانه: (والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان) وقيل في العطف بأنه على اسم الجلالة - وفي قول آخر بأنه على (سبيل) فالتقدير يكون: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين - أو في المستضعفين- من الرجال -.