فهرس الكتاب

الصفحة 1925 من 2536

قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} .

ذلك تأنيس من الله وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم مما مُني به من قومه من شدة الإيذاء والصدّ والتكذيب، فقد كان الإيذاء للنبيين وتكذيبهم ديدنا للمترفين الفاسقين قد دأبوا عليه في كل زمان، وقد خصّ المترفين بالتكذيب والجحود والإيذاء؛ لأنهم أشد تلبُّسا بالشهوات وأكثر جنوحا لمتاع الحياة الدنيا بما أُتوه من مختلف الأسباب لذلك كالمال والجاه والرياسة وغير ذلك من ظواهر الاستعلاء والتمكين.

أما المترفون: فمن الترف، وهو الطغيان وغمْطُ النعمة، والمراد بالمترفين: قادة الشر والطغيان من الرؤساء والكبراء والأغنياء - وهؤلاء إذا جاءهم من عند الله نذير من النُّذر يحذرونهم عقاب ربهم، بادروهم بالجحود والتكذيب وقالوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي إنا بما جئتمونا به من رسالة ونذارة وما بعثتم به من توحيد الله وإذعان لجلاله بالطاعة، ومن التبرؤ من عبادة الأنداد والشركاء {كَافِرُونَ} أي جاحدون مكذبون.

قوله: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} افتخر المترفون الجاحدون بكثرة الأموال والأولاد مستدلين بذلك على أنهم مصيبون، وهو قولهم: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي أن الله راض عنا بسبب لزومنا لديننا وما نحن عليه من صحيح الملة، ومن أجل ذلك لن يعذبنا الله في الآخرة.

وهو قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} قياسا على حسن حالنا في الدنيا، وربما كان ذلك إنكارا منهم لعذاب الآخرة التي يكذبون بها.

قوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} الله الموسع في الرزق، والمقتر، فهو يعطي المال لمن يحب من عباده ومن لا يحب فيغني من يشاء ويفقر من يشاء وله الحكمة البالغة في ذلك؛ وعلى هذا فإن سعة المال والرزق في الدنيا أو قلته وضيقه لا يدل على حال المحق والمبطل، فكم من موسر شقي ومعسر تقي.

قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن سعة الرزق في الدنيا لا تدل على السعادة والنجاة في الآخرة، فإن قلة الرزق وضنك العيش أو كثرة المال وبسطته لا يختص بالفاسق أو الصالح، وهذه حقيقة لا يعلمها أكثر الناس بل إن أكثرهم سادرون في الغي والضلال، ساربون في دروب الشهوات والباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت