فهرس الكتاب

الصفحة 1865 من 2536

قوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام قد تبنّاه قبل النبوة فكان يقال له: زيد بن محمد - فأراد الله أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} أدعياء جمع دعي وهو الذي يُدعى إلى غير أبيه أو يدعيه غير أبيه، من الدِّعوة بكسر الدال، أي ادعاء الولد الدعيّ غير أبيه 4.

قال ابن العربي في ذلك: كان الرجل يدعو الرجل ابنا إذا ربَّاه كأنه تبناه أي يقيمه مقام الابن - فردّ الله قولهم؛ لأنهم تعدَّوا به إلى أن قالوا: المسيح ابن الله، وإلى أن يقولوا: زيد بن محمد - فمسخ الله هذه الذريعة، وبت حبلها، وقطع وصلها بما أخبر من إبطال ذلك 5

قوله: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} يعني هذا القول، وهو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي وادعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه، إنما هو مجرد قول بأفواهكم ولا حقيقة له؛ فإنه لا يثبت بهذه الدعوى نسب ولا تصير الزوجة أمّا، بقول الرجل لها: أنت عليّ كظهر أمي.

قوله: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} ما يقوله الله في ذلك عدل وصدق - وهو جدير بالاعتبار دون غيره من أقوال الجاهلين الباطلة.

قوله: {وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} الله يبين للناس طريق الحق، ويهديهم سبيل الرشاد 6.

5 - (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)

قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}

نزلت هذه الآية في زيد بن حارثة كما بيناه آنفا - وفي ذلك كان ابن عمر يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد - وهذا يدل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية وبعض من الوقت في الإسلام - وكانوا يتوارثون به ويتناصرون حتى نسخ الله ذلك بقوله: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}

أي انسبوا هؤلاء الأدعياء الذين ألحقتم أنسابهم بكم - لآبائهم - فوجب بذلك أن يُنسب زيد لأبيه حارثة، فلا يدعي: زيد بن محمد - وذلك عند الله أعدل وأصوب وأصدق من دعائكم إياهم لغير آبائهم.

قوله: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} يعني إذا لم تعلموا من هم أدعيائكم لتنسبوهم إليهم فهم إخوانكم في الدين؛ أي ينادي أحدكم الدعي بقوله: يا أخي - والمقصود أخوة العقيدة والدين لا أخوة النسب - {وَمَوَالِيكُمْ} أي أولياؤكم في الدين - فليقل أحدكم: هذا أخي وهذا مولاي - ويا أخي ويا مولاي، يريد بذلك الأخوة في الدين والولاية فيه.

قوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي لا بأس عليكم، ولا إثم فيما وقعتم فيه من الخطأ بنسبة بعض الأدعياء إلى آبائهم وأنتم تحسبون أنهم أبناؤهم وهم في الحقيقة أبناء لغيرهم - فلو دعوت رجلا إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه فلا بأس عليك في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت