قوله: {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} أبلغكم بالتشديد للمبالغة - والرسالات جمع رسالة - وذكرها على الجميع؛ لتنوع ما أرسل به إليهم من مختلف المعاني والمواعظ والأحكام - أو أن المراد رسالته هو ورسالات غيره من النبيين كإدريس وشيث فهو عليه السلام يخبرهم بأسلوب رحيم ودود أنه مرسل إليهم ليبلغهم رسالات الله وينصح لهم - والنصح في اللغة معناه الإخلاص وصدق المشورة والعمل - والناصح معناه الخالص من كل شائبة - ورجل ناصح؛ أي نقي القلب 106: والمراد: أنني أبين لكم وجه المصلحة فيما ينفعكم في دنياكم وأخركم.
قوله: {وأعلموا من الله ما لا تعلمون} أي أعلم من قبل الله بوحيه الكريم من المعلومات والأخبار ما ليس لكم بها علم وذلك عن قدرته القاهرة وبطشه الشديد، وعما يلاقيكم يوم القيامة من الأهوال والشدائد وفظاعة التعذيب؛ إن لم تؤمنوا برسالتي إليكم، وتكفوا عما أنتم عليه من الشرك والباطل 107.
قوله تعالى: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون 63 فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين} الهمزة في {أو} للاستفهام الإنكاري - والواو للعطف؛ أي لم هذا العجب منكم؟ وهو عجب ليس له داع ولا مبرر، أتعجبون أن يجيئكم موعظة من ربكم فيها بيان لكم عما ينفعكم في دينكم ودنياكم {على رجل منكم} أي من جنسكم تعرفون أصله ونسبه وخلقه، جاءكم ليحذركم العقاب المنتظر بسبب تفريطكم في حق الله وعصيانكم أمره، ومن أجل أن تخافوا الله ربكم فلا تتوانوا عن طاعته ولا تترددوا في مجانبة عصيانه - وذلك كله سبيل خلاصكم ونجاتكم، وهو ما يفضي بكم إلى الظفر برحمة الله.
لكنهم بالرغم من كل هذه النصائح المشداة، وبالرغم من مواعظ نوح الطويلة وتحذيره المتواصل لقومه في الليل والنهار طيلة ألف عام إلا قليلا، بالرغم من ذلك كله لم تجد النصائح ولا المواعظ مع هؤلاء العتاة الغلف شيئا - بل لجوا في عتوهم وتكذيبهم لجوجا، وظلوا سادرين في طغيانهم وتكذيب نوح حتى كانت النهاية البالغة الفاصلة التي أنجي الله فيها نوحا والذين آمنوا معه في السفينة - وعددهم من نوح ثلاثة عشرة من المؤمنين والمؤمنات - وهم نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وأزواجهم، وسنة أناسي آخرون ممن أمن به - ثم أغرق الله الباقين الأكثرين الذين لجوا ف عتوهم وعصيانهم وأسرفوا في غرورهم وعنادهم فلم يؤثر فيهم النصح الأمين ولا الوعظ الحليم حتى أخذهم الله بالطوفان الغامر الهادر؛ فكانوا من الهالكين الخاسرين الذين خسروا الدنيا والآخرة - لا جرم أن ذلك لهو الخسران الفادح المبين 108.