فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 2536

ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة عاصفة فلم يبق لهم خيمة ولا شيئا إلا قلبته أو أكفأته - وبذلك لم يستقر لهم قرار فبادروا للرحيل خائبين خاسرين - وفي ذلك يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} والمراد بالجنود غير المرئية، الملائكة فقد بعثها الله على هؤلاء الظالمين لتمزيق صنعهم وتبديد شملهم فقلعوا أوتاد بيوتهم وقطعوا فساطيطهم، وأطفئوا قدورهم، وجالت الخيل بعضها في بعض، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وتعالت في المعسكرات صيحات الملائكة وهي تردد، الله أكبر - حتى كان سيد كل خباء 13 يقول: يا بني فلان هلم إلي - فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء 14 - وذلك بما بعث الله عليهُم من الرعب.

قوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} الله عليهم بأعمال المسلمين لما تمالأت عليهم أحزاب الكفر والباطل - والمراد بأعمالهم صبرهم على كيد المعتدين وعلى ما كانوا فيه من الجهد والشدة، وما كانوا عليه من الثبات وفرط الشجاعة واشتداد العزم في وجه أعدائهم الظالمين - الله تعالى بصير بذلك كله ولا تخفى عليه منه خافية.

قوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} {إِذْ} ، في موضع نصب على البدل من {إذْ} في قوله: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} 15 أي واذكر حين جاءتكم جنود الأحزاب من فوق الوادي وهو أعلاه من قِبل المشرق {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} يعني من بطن الوادي من قبَل المغرب، جاء منه أبو سفيان على أهل مكة، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق.

قوله: {وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ} أي شخصت من شدة الخوف، وفرط الهول والحيرة والفزع {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} ، جمع حنجرة وهي جوف الحلق؛ أي زالت القلوب عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم؛ والمراد أن قلوبهم قد اضطربت اضطرابا شديدا من هول ما أصابهم من الذعر - وهو مَثَل مضروب في شدة الخوف.

قوله: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} أي تظنون الظنون المختلفة؛ فقد ظن المنافقون أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون الصادقون أن ما وعد الله رسوله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون 16

قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت