فهرس الكتاب

الصفحة 2456 من 2536

ذلك إخبار من الله عن يوم الفصل - وهو اليوم العصيب الذي يفصل الله فيه بين العباد - وذلكم يوم مشهود ومخوف يجمع الله فيه الخلائق طرّا لتواجه الحساب - وفي هذا اليوم الرهيب يرتج الكون كله فيتغير فيه البناء والصورة ويقع فيه من الأحداث الرعيبة، والأهوال الجسام ما تزيغ منه العقول وتطير لفظاعته القلوب وتذل فيه الجباه والنواصي - ولا منجاة حينئذ للمرء إلا أن تدركه رحمة من الله.

وهذه المعاني العظيمة تتجلى ظاهرة في آيات الله القرآنية المجيدة - الآيات التي تفيض منها روعة التصوير وحلاوة النظم والتعبير - وذلكم الإعجاز - وهو قوله سبحانه: {إن يوم الفصل كان ميقاتا} يعني إن هذا اليوم كان في حكم الله وتقديره حدّا تؤقت به الدنيا، أو حدّا للخلائق ينتهون إليه أو ميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب، أو ميقاتا لاجتماع الخلائق من أجل الفصل أو القضاء بينهم.

قوله: {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا} يوم، منصوب على البدل من يوم الفصل 8 وسمي اليوم بالفصل، لأن الله يفصل فيه بين العباد - والصور هو القرن الذي ينفخ فيه ليوم القيامة {فتأتون أفواجا} أي تأتون من القبور إلى الموقف أو العرض أمما، كل أمة مع إمامهم - وقيل: جماعات جماعات - وحسب المرء في هذا الصدد من ذكر الساعة وأهوالها وفظائعها عبرة وعظة، ما روي عن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا} فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا معاذ لقد سألت عن أمر عظيم"ثم أرسل عينيه باكيا، ثم قال:"يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين وبدّل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكّسون: أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعبا يتقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القطران لا صقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القردة فالقتّات 9 من الناس - وأما الذين على صورة الخنازير، فأهل السّحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الربا، والعمي: من يجور في الحكم، والصم البكم: الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم: فالعلماء والقصّاص الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم: فالذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع النار: فالسعاة بالناس إلى السلطان - والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم - والذين يلبسون الجلاليب: فأهل الكبر والفخر والخيلاء".

قوله: {وفتحت السماء فكانت أبوابا} أي شققت السماء وصدّعت فكانت {أبوابا} أي طرقا ومسالك - وذلك يفيد أن السماء بكليتها تصير أبوابا مفتّحة لنزول الملائكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت