فهرس الكتاب

الصفحة 1339 من 2536

قوله: (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) ، أي: استسلم المشركون لحكم الله فيهم بالعذاب، وأقروا بالألوهية والربوبية، ولم تغن عنهم آلهتهم المصطنعة من الأصنام والطواغيت، بل تتبرأ منهم وتتخلى عنهم - (وضل عنهم ما كانوا يفترون) ، أي: ذهب عنهم ما كان الشيطان يزينه لهم من اتخاذ الشركاء مع الله، وما كانوا يؤمّلون من شفاعتهم لهم.

قوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} ، الكفر في ذاته فظيع وشنيع - وإذا ضُم على الكفر الصد عن سبيل الله، فذلكم أفظع وأشنع - والصد عن سبيله يتناول كل وجوه الفتنة والإضلال عن دعوة الله - سواء كان ذلك بالمال أو النساء أو تقلد المناصب، أو كان ذلك بالترهيب والتخويف، أو التلويح باستعمال القوة والتعذيب من أجل الصد عن دين الله، والحيلولة دون التشبث بالإسلام - وغير ذلك من مختلف الوسائل والأساليب التي برع فيها المجرمون والمتربصون وهم يصدون الناس عن عقيدة الإسلام وتعاليمه - لا جرم أن هذه بمفردها جريمة فظيعة نكراء تضاف إلى جريمة الكفر - وأولئك الصادون عن دين الله قد زادهم الله عذابا فوق العذاب من النار - وفي معنى هذه الزيادة قال ابن مسعود: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال، وحيات أمثال البُخْت تأخذ بشفاههم إلى أقدامهم، فيستغيثون منها إلى النار فيقولون: النار النار - وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير، فيبادرون من شدة برده إلى النار - وقيل غير ذلك - (بما كانوا يفسدون) ، أي: زادهم الله عذابا فوق العذاب بسبب عصيانهم، وبأمرهم غيرهم أن يعصوا الله ويجتنبوا دينه وشرعه 100.

قوله: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) } ، أي: واذكر يا محمد يوم نبعث في كل أمة من الأمم شهيدا عليهم من جنسهم، وهو نبيهم الذي أرسل إليهم ليشهد عليهم بالجحود والتكذيب، أو يشهد لهم بالإيمان والتصديق - (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) ، أي: جئنا بك يا محمد شاهدا على أمتك الذين أرسلت إليهم، بماذا أجابوك، وفي ذلك من التخويف والتحذير والتنذير ما لا يخفى.

قوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) ، أي: نزلنا عليك القرآن بيانا لكل ما يحتاج إليه الناس من معرفة أمور دينهم ودنياهم من الحلال والحرام، أو الحق والباطل، أو الخير والشر - على أن القرآن فيه البيان لكثير من الأحكام والأخبار، وما بقي فهو مما يناط بالنبي (ص) بيانه في سنته، وما كان غير ذلك من أحوال الشريعة كالقياس والإجماع، وأقوال الصحابة، فمرده جميعا إلى القرآن؛ فهو بذلك التبيان لكل شيء (هدى ورحمة) ، فهو هداية لمن اتبعه من الضلال - فمن اتبع كتاب الله لا يضل ولا يغوى ولا يشقى - وهو كذلك رحمة لمن أيقن أنه حق فالتزم شرعه وأحكامه - (وبشرى للمسلمين) ، القرآن بشرى من الله لكل من آمن به وصدقه واتبع هداه، بأنه له خير الجزاء في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت