فهرس الكتاب

الصفحة 992 من 2536

قوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} أي إنما يعمر مساجد الله برمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وكسوها بالحصير والفرش وبتكريمها وتعظيمها وارتيادها للذكر والعبادة -من كان مصدقا بوحدانية الله مخلصا العبادة والطاعة، مصدقا بيوم الدين، مقيما للصلاة المكتوبة على وجهها الصحيح بتمام أركانها وشروطها وواجباتها ومندوباتها، مؤديا زكاة ماله إلى المستحقين - وهو أيضا لا يخشى أحدا كخشية من الله؛ فخشية الله في قلب المؤمن تفوق كل خشية مما سواها {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} أي فخليق بأولئك الذين سبقت صفتهم أن يكونوا ممن هداهم الله للحق وبلوغ الصواب 35.

روي الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان) .

وقال الإمام أحمد أيضا بإسناده عن معاد بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد) ؛ وقال عليه الصلاة والسلم: (من أسرج في مسجد سراجا؛ لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه) .

قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين 19 الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله أولئك هم الفائزون 20 يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم 21 خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم) روي عن ابن عباس قوله: قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد؛ لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني؛ فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج} الآية 36 الساقية والعمارة مصدران، من سقى وعمر، كالصيانة والوقاية - وثمة محذوف وتقديره (أهل) - أي أجعلتم أهل السقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله 37 - والمراد إنكار تسبيه المشركين بالمؤمنين مع ما بينهما من فوق عظيم؛ فالمؤمنون على التوحيد الخالص لله دون أحد سواه، والمشركون على الشرك والجحود، مذعنون الوثنية البلهاء، سادرون في الضلالة العمياء - فلا يسوي بين الفريقين إلا كل مضلل مأفون، لا جرم أن التسوية بينهما محض ظلم وزور، ومجانية لقواعد المنطق السليم - وعلى هذا تتضمن الآية توبيخا من الله جل جلاله لأولئك المضللين الذين افتخروا بالسقاية وسدانة البيت مع شركهم وكفرانهم، فأعلمهم الله أن الفخر إنما يكون في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله، وليس فيما افتخروا به من مظاهر شكلية مقرونة بالشرك {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يجعل الله التوفيق والهداية لمن كان على الكفر والباطل، مجانبا لمنهج الله، حائدا عن التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت