فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 2536

لكن رحمة الله أكبر من كل خطيئة وأوسع من الأرض والسماء والكائنات، فإن رحمته وسعت كل شيء حتى وسعت كفران بني إسرائيل وعتوهم وتمردهم على ربهم بالرغم مما قارفوه من فظائع نكيرة من قتل وإفساد وتقديس للعجل ومطالبة عاتية برؤية الله جهرة، إنه مع ذلك كله امتن الله على هؤلاء القوم فغفر لهم (فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا) فقد عفا الله عن بني إسرائيل بما ارتكبوه من خطيئات، وكذلك قد ثبت الله نبيه وكليمه موسى ثتبيتا مبينا بما آتاه من حجج وبراهين وهي الآيات الباهرات الدالة على صدق نبوته ورسالته.

وقوله: (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدو في السبت) رفع الله الجبل فوق رؤوس أولئك العصاة من بني إسرائيل؛ وذلك بسبب نقضهم العهد مع الله بالطاعة والاستقامة والصلاح - وهو كقوله تعالى في آية أخرى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلّة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة) فقد رفع الله الجبل فوق رؤوسهم لما عصوا ربهم وشاقوا نبيهم وأسرفوا في الفسق والعصيان - وما أن رأوا الجبل فوقهم حتى غشيهم الرعب والهلع فبادروا بالطاعة وتنفيذ الأمر ومن ذلك أن يدخلوا الباب سجدا وهو يقولون: (حطة) وسجدا منصوب على الحال.

وكذلك قد أمرهم الله بقوله: (لا تعدوا في السبت) أي ألا يعتدوا باصطياد الحيتان لدى اقترابها من الساحل فيسهل اقتناصها وذلك في يوم السبت وهو من الفعل سبت ومعناه قطع والسبت يعني القطع والراحة - وجمعه أسبت وسبوت - والمسْبت الذي لا يتحرك 177 وعلى هذا فإن مثل هذا اليوم كان بنو إسرائيل مكلفين بالانقطاع للعبادة وعدم الاصطياد في البحر.

وقوله: (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) الميثاق هو العهد وقيل اليمين - وذلك يعني أن الله قد أخذ عليهم عهدا مؤكدا موثقا بتنفيذ ما كلفهم به من أوامر كدخول الباب سجدا وألا يعتدوا باقتناص الحيتان يوم السبت 178.

قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) - قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم) أي بسبب نقضهم ميثاقهم الذي قطعوه على أنفسهم - وما هنا زائدة وذلك كقوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم) والميثاق الذي أخذوه على أنفسهم هو أن يعترفوا بنبوة محمد (ص) عند ظهوره، وأن يعلنوا إيمانهم به ويصدقوه لما يعلمونه من صفاته قبل مجيئه - على أن ثمة جرائم وأفاعيل ارتكبها اليهود طيلة حياتهم كنقضهم للميثاق وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وغير ذلك من جرائم كانت سببا في أخذهم بالصاعقة مثلما بينا آنفا - وميثاقهم مفعول به منصوب للمصدر (نقضهم) الذي ينوب مناب الفعل 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت