قوله: {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} المراد بالذنب هنا قتل القبطي الذي كان موسى قد وكزه فقضى عليه - وذلك لما استغاث به رجل من قومه عليه - فقد خشي موسى أن يقتله فرعون به.
قوله: {قال كلا فاذهبا بآياتنا} {كلا} ، ردع وزجر؛ أي لن يقتلوك - بل أنتم الغالبون بحول الله، وهم المغلوبون والخزايا - {فاذهبا بآياتنا} أي اذهب أنت وأخوك بما أنزلنا عليك من الحجج والبينات إلى فرعون لعله يتدبر أو يعتبر.
قوله: {إنا معكم مستمعون} أي اسمع ما يقوله لكم فرعون وما يجيبكم به - وذلك تأنيس من الله لموسى وأخيه وتقوية لهما وشد لأزرهما يزداد يقينهما وثقتهما بالله - فهو نعم المولى ونعم النصير.
قوله: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} وإنما قال: رسول بالإفراد، لوجهين - أحدهما: أن المراد هنا الجنس، فوحد - ولو أراد به العدد لثنى - وثانيهما: أي يكون الرسول هنا بمعنى الرسالة
والتقدير: إنا ذوا رسالة رب العالمين 5.
قوله: {أن أرسل معنا بني إسرائيل} المراد من الإرسال، التخلية والإطلاق؛ أي أطلقهم وخلّ سبيلهم يذهبوا معنا ويتخلصوا من قهرك لهم ومن استعبادك إياهم - وقيل: كان فرعون قد استذل بني إسرائيل واستعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا - فلما طلب موسى من فرعون تخلية بني إسرائيل وإطلاقهم من إساره وقهره، أعرض وأبى واستكبر وراح يمنّ عليه في سخرية وتهكم وهو قوله" {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين} ."
{ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين} يعني ألست أنت الذي ربيناك صغيرا في بيتنا وعلى فراشنا فعشت بيننا في نعمة ورخاء مدة من السنين ثم قابلت ذلك بالجحود؛ إذ فعلت فعلتك وهي قتل رجل من رجالنا
وهو قوله بعد ذلك {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} .
{وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} فعلة، بالفتح اسم مرة - وبالكسرة اسم هيئة - وهي هنا بالفتح؛ أي فعلت ما فعلت من قتل القبطي -وذلك لما وكزه موسى فقضى عليه {وأنت من الكافرين} الواو للحال أي قتلت القبطي وأنت بذلك من الجاحدين لنعمتنا عليك - وقيل: وأنت ممن عادته كفران النعم أي جحودها - وقيل: وأنت من الكافرين بفرعون وإلهيته - أو من الذين يكفرون بدين فرعون وقومه؛ إذ كانت لهم آلهة يعبدونها.
قوله: {قال فعلتها إذا وأنا من الظالمين} أي فعلت تلك الفعلة - وهي قتل القبطي- وأنا حينئذ من الجاهلين؛ أي يجهلون أن الوكزة سوف تودي به؛ لأنه وكزه على سبيل الزجر والتأديب
وقيل: من الضالين، يعني الناسين.
قوله: {ففررت منكم لما خفتكم} يخاطب موسى فرعون وملأه من أتباعه وأعوانه، أنني فررت منكم إلى مدين لما خشيت أن تقتلوني بقتلي القبطي {فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين} المراد بالحكم هنا النبوة؛ أي أنعم الله علي بالنبوة وأرسلني إليكم لأبلغكم رسالة ربي.