قوله تعالى: {وإما نرنك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعكم ثم الله شهيد على ما يفعلون 46 ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} إما، إن، أداة شرط - وما زائدة، وجملة الشرط {نرينك بعض الذي نعدهم} أي ننتقم من المشركين الذين جحدوك وكذبوك وآذوك وكادوا لك أشد الكيد - ننتقم لك بقتل صناديدهم وأسر رؤوسهم، ونظهر دينك في حياتك - وذلك هو بعض الذي وعدهم الله - {أو نتوفينك} معطوف على {نرينك} يعني أو لا نزينك ذلك في حياتك بل نتوفينك قبل ذلك {فإلينا مرجعهم} جواب الشرط؛ أي إلينا مصيرهم ومنقلبهم ليروا عذابهم الذي أعددناه لهم {ثم الله شهيد على ما يفعلون} كفى بالله شهيدا على ما يفعله الظالمون المجرمون من جحود لأنبياء الله وتكذيب لكتبه ورسالاته، ومحاربة دينه بالمكر والكيد والصد - وغير ذلك من وجوه التنكيل بالمسلمين والتفنن في تعذيبهم وتقتيلهم - لا جرم أن الله المنتقم الجبار شهيد على ما يفعله هؤلاء المجرمون الأشرار - شهيد على فظائعهم وجرائمهم وجرائرهم وطغيانهم؛ فلسوف ينتقم الله منهم بالغ انتقامه، ويذيقهم الخزي والصغار في هذه الدنيا، فضلا عما يفضون إليه من سوء المصير في الآخرة.
قوله: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط} أي جعل الله لكل أمة خلت من الأمم رسولا يدعو قومه إلى ملة التوحيد ودين الحق، ويحذرهم من مطاوعة الشيطان وجنده من الإنس والجن، مثلما بعث الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالمين مبلغا ومبشرا ونذيرا {فإذا جاء رسولهم} وذلك في يوم القيامة {قضي بينهم بالقسط} قضى الله بين أمة كل رسول بالعدل، فينجي الله المصدقين المتقين، ويهلك المكذبين الجاحدين.
وبذلك تعرض كل أمة على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر - وهذه الأمة العظيمة الخيرة المباركة، وإن كانت آخر الأمم زمانا؛ إلا أنها يقضي الله بينهما قبل الأمم يوم القيامة - وفي الخبر مما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق) .
قوله: {وهم لا يظلمون} أي لا يقع على أمة من الأمم يوم القيامة حيف ولا جور فيما يقضيه الله فيها؛ فلا يؤاخذ أحد بغير ذنب، وإنما يجازي المحسن بإحسانه - والمسيئ إن كان مسلما غير كافر؛ فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له - أما المسيئ من الكافرين الجاحدين؛ فلا جرم أنه في النار مع الخالدين 61.
قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين 48 قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون} هذا الاستفهام من المشركين للإنكار والاستبعاد والطعن في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بل الطعن في حقيقة الدين كله - وبيان ذلك أن المشركين يستعجلون العذاب الذي أعده الله بسبب نكولهم عن الإيمان؛ إذ يقولون: متى القيامة التي يخوفنا بها محمد، ومتى العقاب الذي يتوعدنا به؟ يقولون ذلك على سبيل الاستهانة والاستخفاف بالحقيقة كونية قائمة لا محالة - وهي الساعة وبعث الناس من قبوهم - والمشركون يسألون مثل هذا السؤال الجاحد الفاجر لفرط إنكارهم وعتوهم.