أما المشركين من غير أهل الكتاب فما ينبغي أن يقبل المسلمون منهم غير الإسلام أو القتال؛ لأن هؤلاء المشركين الذين يقدسون الأوثان، أو الذين يعتنقون المادية المحضة فلا يعترفون بإلهية ولا دين، لا جرم أنهم جناة في حق أنفسهم وفي حق عقولهم التي عطلوها تعطيلا - فما كان لهم بذلك أن يستأهلوا من تكريم؛ فلا تؤخذ منهم جزية، ولا ينبغي لهم الصلح أو المهادنة إلا الإسلام؛ لأنه مبعث الهداية والترشيد والخير للإنسانية جمعاء - بخلاف أهل الكتاب؛ إذ جعل الله لهم بعضا من اعتبار بقبول الجزية منهم وتركهم وما يدينون.
أما المسلمون إذا كانوا كثيرا، وكانت جموعهم بأعدادها وأجيالها تملأ بقاع الأرض -كحالهم في هذا العصر- فإنه ما ينبغي لهم أن يهادنوا أئمة الظلم والظلمات أو يوادعوهم ما دام هؤلاء الظالمون قد بلغوا على المسلمين؛ فسلبوا ديارهم وأوطانهم، وأذلوا شعبوهم وأجيالهم، واغتصبوا أموالهم وخيرات بلادهم، وداسوا شرفهم وكراماتهم، وبدلوا دينهم وثقافتهم وقيمهم تبديلا - إنه لا مساغ البتة -والحال على ما هو عليه من التعس والعار والذلة- أن يهادن المسلمون أعداء الله - بل على المسلمين في كل أنحاء العالم أن يلتئموا جميعا ليكونوا أمة واحدة متآزرة متعاونة، يشد بعضها بعضا؛ فيواجهوا بوحدتهم والتئامهم وقوتهم وعقيدتهم عدو الله وعدوهم في حرب حامية مستعرة، مهما عظم فيها البذل والتضحيات - حتى يكتب الله للمؤمنين العاملين الثابتين النصر؛ فتخفق راية الإسلام فوق ربوع البلاد وفيها فلسطين والقوقاز وسمرقند وأثيوبيا والأندلس.
قوله: {وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} أي فوض الأمر إلى الله، ليكون لك خير معين ومجير، ولكي يقويك وينصرك على الأعداء الظالمين إذا عدلوا عن الوفاء بالعهد فنقضوه، والله جل وعلا عالم بما يخفيه العباد من نوايا، وسامع لما يصدر عنهم من أقوال سواء في الخير أو الشر والكيد والتآمر؛ فالله محيط بذلك كله ليجازي الأشرار والمتربصين وأعداء دينه ما ينبغي لهم من سوء الحساب.
قوله: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله} أي إن أراد المشركون أن يصالحوك على سبيل المخادعة؛ فقد وجب قبول ذلك الصلح؛ لأن الحكم إنما يبني على الظاهر وليس الباطن - فلا تخف من إبطانها المكر في جنوحهم إلى السم، فالله كافيك وعاصمك من مكرهم وكيدهم وخداعهم.
قوله: {هو الذين أيدك بنصره وبالمؤمنين} الله جل وعلا هو الذي قواك بنصره إياك على أعدائك - وقواك كذلك بالمؤمنين وهم الأنصار.
قوله: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} ألف بمعنى جمع - من الألفة وهي الاجتماع والالتئام - تألف فلانا وائتلفه؛ أي استماله - وألف الشيء؛ وصل بعضه ببعض - وألف قلبه؛ أي استماله 71.