فهرس الكتاب

الصفحة 1015 من 2536

إن كلمة الله بالشهادة العظمى ومنهج الله الحكيم القويم وما حواه ذلك من معاني راسخة في الخير والجلال والفضيلة؛ لهم الحق الأبلج الثابت الذي يصلح عليه الناس وتستقيم على أساسه الدنيا - لكن كلمة الكافرين تضم الشر والشقاء والباطل، وذلك كله في الأسفلين والأذلين حيث يصير إليه الكافرون بما استفرخ في أذهانهم وصدورهم من عقائد الضلال والكفر.

على أنه يستفاد من حدث الهجرة جواز الفرار بالدين خوفا من العدو، وكذلك الاستخفاء منهم مخافة كيدهم وإيذائهم، ومخافة أن يذهب الدين نفسه بذهاب دعاته وحملته - وما ينبغي الاحتجاج بما يقوله بعض الجاهلين، وهو أن من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصا في توكله وتقواه ولم يؤمن بالقدر، ومثل هذا القول مجانب للصواب، ومخالف لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فقد دلت سنته العملية على فراره بدينه في حدث الهجرة ليكون ذلك مثالا يحتذى لدى المسلمين طيلة الزمان كلما حزب أحدهما أو بعضهم من الكافرين والخائنين كيد أو مكر فيفر بدينه - لا جرم أن ذلك أسلم للنفس أن يستحوذ عليها الكافرين بالفتنة أو القتل، فضلا عما في ذلك من مراعاة حقيقة لفطرة الإنسان التي تهتف بالخوف من الموت - وهذه حقيقة أساسية من حقائق كثيرة جبل عليها الإنسان - وخلاف ذلك من القول المغاير ليس إلا التكليف أو الجهل بطبيعة الإنسان وحقيقة فطرته التي جيئ به عليها {لا تبديل لخلق الله} .

أما رسولنا الهادي صلى الله عليه وسلم فما كان يخشى الكافرين على نفسه بقدر خشيته على الدين أن يفنى بهلاكه، ويكون في هجرته مناص للمكروبين من دعاة الحق والدين أن يفروا بأنفسهم إذا أحاطت بهم أسباب المنون بفعل الظالمين والخائنين.

قوله: والله عزيز حكيم إنه لا يعز على الله أن يزلزل الطغاة والمستبدين والظالمين، وأن يقهرهم ويذيقهم الإذلال ومرارة التعس والشقاء، وهو أيضا قادر على نصر عباده المؤمنين المخبتين الصابرين، وهو يقضى في ذلك كله حسب مشيئته وتقديره وتقديره - وهو سبحانه حكيم في تدبيره وتصريفه لأمور العباد 86.

قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} {خفافا وثقالا} ، منصوب على الحال 87 - ذلك تحريض بالغ على رفض العدوان والظلم أن يصيب المسلمين فيؤذيهم أو يذلهم - إنه تحريض قائم مجلجل يهتف بالمسلمين في كل مكان وزمان لكي يرفضوا الضيم لأنفسهم فيدرأوه درءا ويدفعوه بكل الأسباب من غير تردد في ذلك ولا نكوص.

إن على المسلمين -بناء على هذه الآية ونظائرها من الآيات في هذا الصدد- أن يلتئموا جميعا ليكونوا يدا واحدة على من سواهم من المعتدين المتربصين الذين يتحرشون بالمسلمين ليطغوا عليهم أو يبيدوهم إبادة - وليس أدل على التحريض البالغ لصد المعتدين من هذا القول الرباني الهاتف المؤثر {انفروا خفافا وثقالا} فقد أمر الله المسلمين بالنفر في أحوال والثقل ليجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم - وتأويل الخفة والثقال هنا موضع خلاف؛ فقد قيل: المراد بالخفة هنا الشباب - أما الثقل فيراد به الشيخوخة؛ أي انفروا شيبا وشبانا، أو شيوخا وشبانا، أو كهولا وشبانا - وقيل: أغنياء وفقراء - وقيل: نشاطا وغير نشاط - وقيل: ركبانا ومشاة - وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت