فهرس الكتاب
قوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملايه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين 75 فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين 76 قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون 77 قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} بعد أن خلت الأمم السابقة والذين أرسلوا إليهم، أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى طاغية فرعون {وملايه} وهم أشراف قومه من سادة مصر وكبرائها؛ لقد أرسلهما الله بآياته وهي حججه وأدلته على صدق رسالتهما لكي يجيبوا داعي الله أو تلين قلوبهم للحق فيذعنوا منيبين إلى الله - لكنهم استكبروا وعتوا عتوا كبيرا وأبوا إلا التمرد والعصيان والاستكبار - وهو قوله سبحانه: {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} لا جرم أن فرعون كان من أشد الطغاة في تاريخ البشرية، بل هو رأس من رؤوس الجبابرة العتاة الذين أسرفوا في العدوان والطغيان والغرور بما يعز أن يكون له في المجرمين نظير يضاهيه في شدة العتو وفظاعة الاستكبار.
قوله: {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين} لما رأى فرعون وقومه وضوح الأدلة والبينات على صدق ما جاءهم به موسى وهارون أبوا واستكبروا وقالوا: {إن هذا لسحر مبين} حملوا المعجزات الظاهرة ظهور القمر الساطع على السحر - وشتان شتان بينهما! فالسحر توهيم وتمويه وتحيل، على الخلاف في ذلك - ولكن المعجزة الربانية برهان ناطق مشهود على صدق النبوة ويقينها وأنها حق جاء به الوحي من السماء.
قوله: {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} أنكر عليهم موسى مقالتهم الظالمة؛ إذ قالوا إن ما جاءهم به سحر! واختلفوا في سبب دخول همزة الاستفهام في قوله: {أسحر هذا} فقيل: دخلت فيه على الحكاية لقولهم؛ لأنهم قالوا: أسحر هذا - فأجابهم موسى: أتقولون أحسر هذا؟ وقيل: الاستفهام هنا جاء على التعجب منهم - والتقدير: أسحر هذا ما أعظمه! وقيل: في الكلام محذوف وهو المقول - ويكون قوله: {أسحر هذا} من قيل موسى منكرا على فرعون وملائه قولهم للحق لما جاءهم: إنه سحر - فيكون تقدير الكلام حينئذ: قال موسى لهم: أتقولون للحق لما جاءكم -يريد بذلك المعجزات- سحر؟ أسحر هذا الذي ترونه؟ - فحذف السحر الأول اكتفاء بالثاني.
قوله: {ولا يفلح الساحرون} لا فلاح للسحرة؛ إن عملهم داحض، وما جاءوا به بائر خاسر لا بتنائه على الضلال والباطل.
قوله: {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا} {لتلفتنا} ، من اللفت، بالفتح وهو اللي - لفت وجهه عنه؛ أي صرفه - لفته عن رأيه؛ أي صرفه عنه - لفت الشيء لفتا؛ يعني لواه على غير وجهه وصرفه إلى ذات اليمين وذات الشمال 87 - ذلك جواب فرعون وملائه الظالمين المستكبرين إذ قالوا لموسى وأخيه: أجئتنا لتصرفنا وتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأوثان {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} أي لتكون لكما العظمة والرياسة والسلطان في الأرض وتؤول لكما العزة والأخذ بزمام الملك وقيادة الأمة {وما نحن لكما بمؤمنين} أي لسنا بمصدقين بما جئتنا به، فنحن غير مقرين بنبوتكما، أو أنكما أرسلتما إلينا 88.