فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 2536

والمقامر الذي تنشغل فيه أعصابه وذهنه وجسده كله في عملية الميسر إنما يجد نفسه مشدود الإرادة والعزيمة والقلب لهذه العملية المقبوحة فلا متسع عنده لأيّما اهتمام بذكر الله أو الصلاة - وأنَّى لمثل هذا المقامر اللاهث المخبول أن يذكر ربه فينيب إليه طائعًا مخبتًا أو يعبأ بالصلاة فيبادر القيام بها؟!

قوله: {فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ} هذا الاستفهام ينطوي على تأكيد ظاهر على النهي، عن الخمر والميسر - فما بقي من عذر بعد هذا التنديد البالغ بالخمر والميسر، لما فيهما من إشاعة للمباغضات والعداوات - ولأن كل واحد منهما ملهاة للمؤمن تصده عن ذكر الله وعن الصلاة - وقد أدرك عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد لمن يتخلف أو يتردد فقال مبادرًا: انتهينا يا رب.

قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} أي أطيعوا الله وأطيعوا رسوله فيما تقدم من الأمر باجتناب الخمر والميسر - وهذا مبالغة في التأكيد على مجانبة ما ذكر - والله سبحانه يحذر كذلك من مخالفة أمره فيما ذكر.

قوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاَغُ المُبِينُ} ذلك تهديد بالغ - ووعيد رعيب لمن خالف عن أمر الله وأعرض عن حكمه - فإن الذي يتولى عما كلفه به الله قد وقعت عليه الحجة ولم يبق له من عذر وليس له بعد ذلك إلا العقاب الشديد - أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يضيره إدبار الناس عن دعوة الله وتوليهم عما أمرهم به - فهو إنما نيط به التبليغ وقد بلغ ولم يأل (201) في ذلك - فقد خرج بذلك عن عهدة ما كلف به (202) .

قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقُوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} روى الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية بسنده عن ابن عباس قال: لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فأنزل الله الآية وروى البخاري عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر فأمر مناديًا ينادي - فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت! قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت - فقال: اذهب فأهرقها، وكان الخمر من الفضيخ (203) - قال: فجرت في سكك المدينة - فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم - فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية (204) .

وتأويل الآية أنه ليس على هؤلاء المؤمنين جناح في كل شيء طعموه من مستلذات المطاعم والمشارب قبل تحريمها إذا كانوا متقين ما حرم الله عليهم منها - {وَّأمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح {ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا} أي ثم ثبتوا على التقوى والإيمان {ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} أي ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم - أو أحسنوا إلى الناس بالمواساة وبذل الخير لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت