والمقامر الذي تنشغل فيه أعصابه وذهنه وجسده كله في عملية الميسر إنما يجد نفسه مشدود الإرادة والعزيمة والقلب لهذه العملية المقبوحة فلا متسع عنده لأيّما اهتمام بذكر الله أو الصلاة - وأنَّى لمثل هذا المقامر اللاهث المخبول أن يذكر ربه فينيب إليه طائعًا مخبتًا أو يعبأ بالصلاة فيبادر القيام بها؟!
قوله: {فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ} هذا الاستفهام ينطوي على تأكيد ظاهر على النهي، عن الخمر والميسر - فما بقي من عذر بعد هذا التنديد البالغ بالخمر والميسر، لما فيهما من إشاعة للمباغضات والعداوات - ولأن كل واحد منهما ملهاة للمؤمن تصده عن ذكر الله وعن الصلاة - وقد أدرك عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد لمن يتخلف أو يتردد فقال مبادرًا: انتهينا يا رب.
قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} أي أطيعوا الله وأطيعوا رسوله فيما تقدم من الأمر باجتناب الخمر والميسر - وهذا مبالغة في التأكيد على مجانبة ما ذكر - والله سبحانه يحذر كذلك من مخالفة أمره فيما ذكر.
قوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاَغُ المُبِينُ} ذلك تهديد بالغ - ووعيد رعيب لمن خالف عن أمر الله وأعرض عن حكمه - فإن الذي يتولى عما كلفه به الله قد وقعت عليه الحجة ولم يبق له من عذر وليس له بعد ذلك إلا العقاب الشديد - أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يضيره إدبار الناس عن دعوة الله وتوليهم عما أمرهم به - فهو إنما نيط به التبليغ وقد بلغ ولم يأل (201) في ذلك - فقد خرج بذلك عن عهدة ما كلف به (202) .
قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقُوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} روى الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية بسنده عن ابن عباس قال: لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فأنزل الله الآية وروى البخاري عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر فأمر مناديًا ينادي - فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت! قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت - فقال: اذهب فأهرقها، وكان الخمر من الفضيخ (203) - قال: فجرت في سكك المدينة - فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم - فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية (204) .
وتأويل الآية أنه ليس على هؤلاء المؤمنين جناح في كل شيء طعموه من مستلذات المطاعم والمشارب قبل تحريمها إذا كانوا متقين ما حرم الله عليهم منها - {وَّأمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح {ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا} أي ثم ثبتوا على التقوى والإيمان {ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} أي ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم - أو أحسنوا إلى الناس بالمواساة وبذل الخير لهم.