فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 2536

قوله {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} النصح، معناه الإخلاص والصدق، والنصيحة: كل قول فيه الدعاء إلى الصلاح والنهي عن الفساد، نصحه، أرشده إلى ما فيه صلاحه 37 - والمعنى: إنني إن أردت أن أبين لكم الحق والصواب وأدعوكم إلى ما فيه نجاتكم وفلاحكم؛ فلا ينفعكم ما أبذله لكم من ترشيد إلى الحق والهداية ونهي عن الباطل والضلالة {إن كان الله يريد أن يغويكم} {يغويكم} : من الإغواء وهو الإضلال، أغواه: أضله وأغراه، غوى غيا وغواية؛ أي أمعن في الضلال - وغاو؛ أي ضال 38 - قال الزمخشري في تأويل قوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} : إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه؛ سمي ذلك إغواء وإضلالا، كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي فلطف به؛ سمي إرشادا وهداية.

وفي قوله: {أن يغويكم} قال الزمخشري: معناه أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التيس لا تنفعكم نصائح الله وموعظة وسائر ألطافه؛ كيف ينفعكم نصحي؟ وفي هذا القول من تكلف المعتزلة في تأويل مثل هذه الآية ما لا يخفى - والصواب في هذا الصدد أن نقول: إن الله هو الهادي وهو المضل - ويقوي هذا التأويل بعد ذلك: {هو ربكم وإليه ترجعون} فالله مالك كل شيء، ومالك الناس جميعا؛ فإليه الهداية، والناس صائرون أخيرا إليه 39.

قوله تعالى: {أم يقولن افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون} {أم} ، بمعنى بل والهمزة و {افتراه} من الافتراء وهو الاختلاق 40 و {إجرامي} ، من الإجرام وهي الجناية، أجرم: ارتكب جرما؛ وجرم جرما أي ذنب، واجترم الذنب: أي كسبه أو ارتكبه.

واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية، فقد قيل: إنها حكاية عن تكذيب المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قالوا إن هذا القرآن قد افتراه محمد! فأنكر الله مقالتهم بقوله: {أم يقولن افتراه} .

وقيل: الآية تحكي خبر المحاججة بين نوح وقومه؛ إذ قالوا، إن ما جاءهم به نوح مفترى - قال ابن عباس في ذلك: هو من محاورة نوح لقومه وهذا أظهر القولين؛ لأنه ليس قبل ذلك ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم ولهم - ثم أمر الله نوحا أن يرد مقالتهم {قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون} أي قل لهم: إن كان ما أقوله لكم اختلافا مني وتخريصا؛ فعلي إثمي فيما أفتريه على ربي، ولا تؤاخذون أنتم بذنبي ولا إثمي، ولست أنا مؤاخذا بذنبكم؛ بل أنا برئ مما تذنبون وتأثمون 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت