قوله: {لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} أي لو تميز المؤمنين في مكة من المشركين المختلطين بهم ففارقوهم أو خرجوا من بين أظهرهم لقتلنا الكافرين منهم بالسيف.
ويستدل من هذه الآية على أن الكافر لا يؤذي إذا كان إيذاؤه يفضي إلى إيذاء المسلم حتما - فحرمه المسلم معتبرة ومقدمة على قتل العدو - وعلى هذا لو أن قوما من المشركين في حصن لهم وفيهم قوم من المسلمين أسارى وقد حصرهم المسلمون جميعا فما يجوز للمسلمين أن يقتلوهم لئلا يفضي ذلك إلى قتل الأسارى المسلمين - وكذلك لو تترس كافر بمسلم فإنه لا يجوز في الكافر، لأن ذلك يفضي إلى إصابة - ولو فعل ذلك أحد فأصاب مسلما كان عليه الدية والكفارة - فإن لم يعلم فلا دية ولا كفارة.
أما إذا كان في قتل الترس مصلحة ضرورية للمسلمين صار قتله جائزا شرعا، لأنه لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس - وإذا لم يقتل الترس تمكن الكافرون من المسلمين فاستولوا على بلادهم وأفنوهم جميعا.
26 - (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)
قوله: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حمية الجاهلية} {الحمية} ، تعني الأنفة 19 - أي تشبث الكفار بالحمية الراسخة في قلوبهم، وحميتهم أو أنفتهم حين أبوا أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم - وأبوا أيضا أن يقروا للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة، وكذلك قد منعوا المسلمين من دخول مكة فصدوهم عن البيت الحرام - لقد فعلوا كل ذلك أنفة وعنادا ولجوجا في العصيان والاستكبار.
قوله: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} أنزل الله عليهم الطمأنينة - وقيل: ثبتهم على الرضا والوقار {وألزمهم كلمة التقوى} وهي لا إله إلا الله، فهذه الشهادة الكبرى رأس كل تقوى {وكانوا أحق بها وأهلها} يعني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أحق بكلمة التقوى وهي شهادة أن لا إله إلا الله وكانوا أهل هذه الشهادة دون المشركين.
قوله: {وكان الله بكل شيء عليما} الله يعلم ما في ضمائر الخلق ويعلم ما تكنه صدور العباد ويعلم ما يصلح عليه حال الناس 20.
27 - (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)
قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا 27 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا} .