فهرس الكتاب

الصفحة 1837 من 2536

ومن صفات المؤمنين المحسنين الظاهرة إقامة الصلاة؛ فهي أم العبادات وأشدها جلالا وتعظيما، ثم إيتاء الزكاة، ببذلها للمستحقين من المعوزين والمحاويج والعالة - ثم الإيمان بيوم القيامة - وهو يوم يجمع الله فيه الخلائق لتواجه الحساب، وهو يوم آت لا محالة، يتميز فيه المؤمنون من الجاحدين، والمحقون من المبطلين، والعاملون الأبرار من العصاة والخاطئين والفجار.

ويوم القيامة حقيقة كونية هائلة لا تقبل الجدال أو الخصام - وهي حقيقة لا ينكرها أو يرتاب فيها مبطل خاسر، لكن المؤمنين المصدقين يوقنون أن الساعة حق، وأنها قائمة لا ريب فيها.

قوله: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أولئك الذين تبينت صفاتهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالآخرة وعمل الصالحات والطاعات، قد كتب الله لهم الهداية في الدنيا؛ إذ يستظلون بشرع الله ومنهجه الشامل الحكيم ليحيوا كرماء متعاونين متراحمين - وكذلك كتب لهم الهداية في الآخرة ليظفروا برحمة الله وثوابه ورضوانه.

قوله: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون الذين ظفروا بالنجاة والسعادة التي لا تنقطع 3.

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .

ثمة قولان في سبب نزول هذه الآية - أحدهما: أنها نزلت في النضر بن الحارث وذلك أنه كان يخرج تاجرا إلى فارس، فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها، ويحدث بها قريشا ويقول لهم: إن محمدا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن - فنزلت فيه هذه الآية.

القول الثاني: إنها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية فشُغل الناس بلهوها عن استماع النبي صلى الله عليه وسلم 4.

أما المراد بلهو الحديث وشرائه فهو موضع تفصيل نعرض له في هذا البيان فنقول: لهو الحديث يشمل بعمومه كل ما يلهي عن طاعة الله وفعل الخيرات والقربات - وذلك كالغناء والملاهي والأحاديث المفتراة والمصطنعة التي تنشغل بها القلوب والأذهان عن دين الله وطاعته.

وقيل: المراد بلهو الحديث، الكفر والشرك - وهو قول الحسن البصري، وروي عنه قول: إنه الغناء والمعازف.

وقيل: المراد من يشتري ذا لهو، أو ذات لهو - فيكون التقدير: من يشتري أهل لهو الحديث وهم المغنّون والمغنيات والقينات - كقوله تعالى: {واسأل القرية} يعني واسأل أهل القرية.

وقيل: المراد به الغناء - وقد قال بذلك أكثر السلف من الصحابة والتابعين وقد حلف على ذلك عبد الله بن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أنه الغناء - وكان يقول: الغناء ينبت النفاق في القلب - وعن ابن عمر أنه الغناء - وقال الإمام الطبري: أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه - ويؤيد هذا القول ما ورد في ذلك من أخبار - منها ما رواه الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار، ورنة شيطان عند نغمة ومرح، ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت