ومن جملة الأحكام في هذه المسألة أن السنة أن يسلم الراكب على الماشي والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، والقائم على القاعد - وإذا استقبلك رجل واحد فقل: سلام عليكم، بقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا: السلام عليك.
وإذا دخلت بيتا خاليا فسلم - وذلك؛ لأنك تسلم من الله على نفسك، وإنك تسلم على من في البيت من مؤمني الجن - ثم إنك تطلب السلامة ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات ببركة السلام.
قوله: (إن الله كان على كل شيء حسيبا) أي حفيظا - وقيل: كافيا وذلك كقولنا: حسبنا الله - بمعنى أنه يكفينا - فالله جلّت قدرته كان وما يزال حافظا عالما بكل شيء 123.
قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا) لفظ الجلالة الأول مرفوع على الابتداء - والجملة الاسمية بعده في محل رفع خبر المبتدأ أو اعتراض، والخبر (ليجمعنكم) - واللام في قوله (ليجمعنكم) للقسم - وقيل موطئة للقسم - وقد نزلت هذه الآية في المرتابين الذين يكذبون بيوم القيامة - والله - جلّت قدرته- يقسم أن سيجمع الخلائق كلها على صعيد واحد يوم القيامة من القيام وهو يوم لا يحتمل الشك أو التردد أو التأويل، بل إنه حقيقة واقعة لا محالة - ومعنى القيامة أو النهوض في خوف وذهول - وسمّيت بهذا الاسم؛ لأن الناس جميعا يقومون لله وبين يديه في ذلك اليوم الذي يشتد فيه الهول والكرب - وفي قول آخر لهذه التسمية بأن الناس ينهضون قياما من قبورهم - وهما معنيان متقاربان يؤولان إلى قيام الناس في نهوض يساوره الذهول والحيرة والرعب لتجتمع الخلائق كافة من أجل الحساب.
قوله: (ومن أصدق من الله حديثا) ذلك استفهام يتضمن النفي الكامل لوجود من أصدق من الله - إنه تباركت أسماؤه وتقدّس في جلاله وعليائه لهو أصدق الصادقين حديثا فكيف إذا أقسم؟! فإن في ذلك عين التأكيد على صدق حديثه سبحانه - وقوله: (حديثا) منصوب على التمييز.
قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدوركم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) .
ثمة اختلاف في سبب نزول هذه الآيات - فقد ورد أنها نزلت في المنافقين الذين انشقّوا عن المسلمين في معركة أحد، مما جعل المسلمين في شديد من الحرج والخطر وكان على رأس المنافقين حينئذ كبيرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول - ومن بعد ذلك اختلف المسلمون في حقيقة أمر هؤلاء المنشقّين الذين خانوا الله ورسوله في أخطر الأحوال، فقال بعضهم: ما لنا ولهؤلاء فهم مؤمنون مثلنا ولا يضر ما احتملوه من الخطأ - وقال آخرون من المسلمين: بل إنهم منشقّون ضالّون يجب محاربتهم وقتلهم حتى نزلت هذه الآيات.