فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 2536

وقوله: (رسلا مبشرين ومنذرين) رسلا منصوب على البداية من قوله: (رسلا) السابقة - وقيل: منصوب على المدح بفعل مقدر وتقديره أمدح رسلا 185 - هؤلاء الذين ذكرتهم الآية من المرسلين قد بعثهم الله هداة للبشرية ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولينقذوهم من ظلام الجاهلية والمادية إلى نور العلم والتوحيد.

ووظيفة المرسلين التبشير والتنذير وذلك بما يناسب أصناف البشر على اختلافهم من حيث الإيمان والتقوى، أو من حيث الكفران والضلالة؛ وذلك كله كيلا يكون للناس حجة على ربهم فيتذرعوا بالأسباب والترهات كأن يقولوا ما نزل علينا كتاب من السماء نقرأه، وما جاءنا من نذير ولا سمعنا من أحد يوقفنا على الحقيقة ويدعونا إلى منهج الله القويم وصراطه المستقيم - والكلمتان (مبشرين ومنذرين) كلتاهما نعت منصوب للبدل قبلهما.

أما وقد بعث الله للناس من بينهم رسلا كي يأمروهم ويحذروهم وينهوهم، ولكي يبينوا لهم دينهم الذي يصلح عليه حالهم ومآلهم ويكونوا به سعداء كرماء، فقد أصبح الناس أنفسهم محجوجين وأن الحجة لله عليهم، فلا يلومن هؤلاء بعد ذلك غير أنفسهم.

وقوله: (وكان الله عزيزا حكيما) إن الله سبحانه لهو صاحب العزة والقوة والجبروت، وهو لا يقوى على النيل منه أي كائن، وهو كذلك ذو الحكمة فيما يحكم أو يقضي وفيما يقدر أو يريد، ولا يصدر ذلك كله إلا عن حكمته البالغة التي لا يحيط بها إلا هو تقدست أسماؤه.

قوله تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا) لكن أداة استدراك، ولفظ الجلالة بعدها مرفوع على الابتداء، والجملة الفعلية بعده في محل رفع خبر المبتدأ - وهذه شهادة من الله لرسوله بصدق النبوة والرسالة وما أنزل عليه من كتاب، وذلك بعد أن كذبه الكافرون وأهل الكتاب واليهود خاصة - فقد أنكر هؤلاء نبوته وشهدوا ضده بالباطل ليقولوا: ما نشهد لك فيما تقول - وبعد هذا التكذيب الجاحد والشهادة الظالمة الزور يأتي التصديق من الله لنبيه العظيم وهو يشهد له بالصدق والحق في الذي قاله وفيما أنزله عليه من كلام باهر معجز وهو القرآن الذي أنزله الله على نبيه بعلمه، أي بمعرفته واطلاعه وقدرته وقيل معنى ذلك أن الله أنزل القرآن وفيه علم من الله بأخبار الأولين والآخرين وما جاء فيه من حقائق وبراهين.

وقوله: (والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا) الملائكة معطوف على لفظ الجلالة قبله أي أن الله يشهد على صدق نبوة رسوله وما نزل عليه من كتاب، وكذلك الملائكة يشهدون على هذه الحقيقة الثابتة القاطعة - والجملة الفعلية من (يشهدون) في محل رفع خبر الملائكة - ثم يعاود الخطاب التنصيص على شهادة الله في إبراز وتأكيد ليرسو في الذهن انها أعظم شهادة، وأنه سبحانه أعظم الشاهدين وأصدقهم (وكفى بالله شهيدا) أي يكفي أن يكون هو الشاهد على صدق نبيه وثبوت رسالته - وشهيدا منصوب على التمييز.

لا جرم أن الشهادة من الله عنوان الثبوت الجازم بما يضفي على رسالة الإسلام فيضا من الصدق واليقين - وحسب النبي والمسلمين أن يكون الله شهيدا لهم على صدق رسالتهم وأن دينهم لهو حق اليقين - والله جلت قدرته خير الشاهدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت