قوله: (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) فضل الله بني آدم على سائر الكائنات والأحياء بمزايا العقل والإرادة وحسن الصورة والمظهر وغير ذلك من جميل المزايا - أما تفضيل المؤمنين على الملائكة أو العكس فهو موضع اختلاف؛ فقد ذهب كثير من أهل العلم وفيهم المعتزلة إلى أن الملائكة أو العكس فهو موضع من الإنسان المؤمن - ومما استندوا إليه، ظاهر هذه الآية؛ فقد فضل الله بني آدم على كثير من الخلق - فالمستثنى من المفضولين إذن هم الملائكة؛ فهم أفضل من الناس - وقيل: إن النبيين من البشر أفضل من الملائكة وهو قول المتكلمين استنادا إلى أن الكثير في هذه الآية يعني الجميع 81.
قوله تعالى: {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) } (يوم) ، منصوب على الظرف - والباء في قوله: (بإمامهم) للحال - وتقدير ذلك، يوم ندعو كل أناس مختلطين بإمامهم 82 يوم القيامة حيث الحساب؛ إذ الناس واقفون وجلون ينتظرون مصائرهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار، هنالك ينادي كل إنسان بإمامه - وفي تأويل الإمام خلاف - فقد قيل: المراد به نبيه ومن كان يقتدي به في الدنيا ويأتم - إذ يقال: هاتوا متبعي إبراهيم - هاتوا متبعي موسى - هاتوا متبعي عيسى - هاتوا متبعي الشيطان - هاتوا متبعي الأصنام - هاتوا متبعي الطغاة والخاسرين من الساسة والملوك.
وقيل: المراد به كتاب أعمالهم - ويعزز ذلك قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) .
قوله: (فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم) أي فمن أعطي كتاب أعماله بيمينه فإنه يقرأ كتابه ليقف على ما فيه (ولا يظلمون فتيلا) أي لا ينقصون من أجورهم مقدار فتيل - والفتيل ما يكون في شق بطن النواة - وقيل: هوما يفتل بين الإصبعين من الوسخ 83.
قوله: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} (هذه) ، أي الدنيا - فمن كان في دنياه أعمى عما عاين من الحجج والأدلة وما أبصره من البراهين والعجائب من خلق الله والآيات التي تكشف عن قدرته وبالغ عظمته وإحاطته؛ فلم يهتد للحق بل ظل سادرا في كفره وضلاله؛ فهو في أمر الآخرة التي لم يعانيها ولم يرها أعمى (وضل سبيلا) أي أكبر ضلالا مما كان عليه في الدنيا 84.
قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) } .