فهرس الكتاب

الصفحة 2121 من 2536

على أن المسلمين إذا جنحوا للعفو والصفح عمن بغى عليهم وكان فيهم القدرة على الانتقام من الظالم المعتدي، فلا جناح عليهم في ذلك بل إن ذلك من شيم المؤمنين الأقوياء الأعزاء - وذلكم هو العفو عند المغفرة - وهو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الأنام وخير من حملت الغبراء على متنها من أبرار أفذاذ عظام؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يعفو عمن أساء إليه مع قدرته على الانتقام منه - ومن جملة ذلك: أنه عفا عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم فلما قدر عليهم مَنَّ عليهم مع قدرته على الانتقام منهم - وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن غورث بن الحارث، الذي أراد أن يفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اخترط سيفه وهو نائم فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في يده صلتًا 36 فانتهره فوضعه من يده وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف في يده ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه - وكذلك عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة اليهودية - وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن سلمة - وكانت هذه المرأة قد وضعت السمّ في ذراع شاة قُدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، فأخبره الذراع بذلك فدعاها فاعترفت فقال صلى الله عليه وسلم:"ما حملك على ذلك؟"قالت: أردت إن كنت نبيًّا لم يضرك وإن لم تكن نبيًّا استرحنا منك - فأطلقها عليه الصلاة والسلام - ولكن لما مات منه بشر بن البراء (رضي الله عنه) قتلها به - إلى غير ذلك من وجوه العفو عن الباغين والمعتدين كيفما تكن أوجه الاعتداء ما دام المسلمون العافون قادرين على الانتقام منهم 37.

قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} .

شرع الله القصاص لعباده وهو عدل - فمن وقع عليه اعتداء مُتَعَمَّد من غيره، كان للمعتدى عليه أن يقتص من الجاني بمثل جنايته لا أنْقَص ولا أزْيَد - وقد نَدَب الله لفعل ما هو أفضل وهو العفو والصفح عن مساءات المسيئين - وبذلك فإن الفضل خير وأحب إلى الله من العدل - فالفضل وهو العفو مندوب إليه شرعا، وبذلك فإن فاعله مأجور - أما الاقتصاص من أجل التشفي والانتقام للنفس من المعتدي فهو في حق المعتدى عليه مباح - والمباح قسم من أقسام الحكم لا يؤجر فاعله ولا يأثم تاركه - وعلى هذا يجدر القول إن العفو عن المسيء خير وأفضل من أخذ الحق منه بالانتقام - وهو قوله سبحانه: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} فيكتب الله الأجر وحسن المثوبة للعافين عن المسيئين إليهم، شريطة أن يكون عفوهم عن مقدرة، وهو أنهم قادرون على الانتقام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت