قوله: {وإذا البحار سجّرت} أي فاضت وملئت، فيفيض بعضها إلى بعض لتصير بحرا واحدا - وقيل: سجّرت، من سجرت التنور أسجره سجرا إذا ملأته بالحطب وأحميته - قال ابن عباس: إذا انقضت الدنيا سجّرت البحار فصارت كلها نارا يدخلها الله أهلها - وبذلك فإن تسجير البحار، معناه تفجير بعضها إلى بعض لتكون بحرا هادرا واحدا ثم يصير نارا مضطرمة مستعرة.
قوله: {وإذا النفوس زوّجت} ذكر في تأويلها عدة أقوال، منها: أنها قرنت الأرواح بالأجساد - ومنها: أن الناس يصيرون ثلاثة أزواج وهم أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون - ومنها: أن تقترن كل نفس بمثلها من حيث الطاعة والمعصية فينضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر
ومنها: أن النفوس تقترن بأعمالها.
قوله: {وإذا الموءودة سئلت} سئلت سؤال توبيخ وتعنيف لقاتلها، لأنه قتلها بغير ذنب - والموءودة، المدفونة حية - وأد بنته أي دفنها حية 2 قال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة وتمخضت على رأسها - فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة وردّت التراب عليها وإن ولدت غلاما حبسته.
وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغدو كلبه فعاتبهم الله على ذلك وتوعدهم بقوله: {وإذا الموءودة سئلت 8 بأي ذنب قتلت} وهذه واحدة من العوائد الذميمة البشعة التي تلبست بها بعض قبائل العرب في جاهليتهم، إذ كانوا يدفنون بناتهم أحياء في التراب خشية الفقر والحاجة ومخافة السبي والاسترقاق والعار - إن هذه واحدة من أسوأ ما تتصوره الأذهان والأخيلة عن إجرام مفظع مقبوح تتلطخ به أيدي العتاة من المشركين وهم يجترأون على وأد بناتهم البريئات في التراب.
9 - (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
قوله: {بأي ذنب قتلت} سألت الموءودة وائدها: بأي ذنب قتلتني - وذلك على جهة التوبيخ والتبكيت، وليس له حينئذ أيما عذر - ويستدل من ذلك على أن أطفال المشركين لا يعذبون يوم القيامة، لأن التعذيب لا يستحق إلا بذنب.
10 - (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)
قوله: {وإذا الصحف نشرت} والمراد بذلك صحف الأعمال التي كتبت فيها الملائكة أعمال بني آدم من خير وشر - فإن هذه الصحف تطوى بالموت حتى إذا قامت القيامة فتحتها الملائكة ونشرت ما فيها من مضمون ليعلم ما فيها.
11 - (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ)
قوله: {وإذا السماء كشطت} الكشط معناه النزع والقلع والتنحية 3.
والمراد أن السماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء - أو إذا نزعت - ثم طويت - أو كشفت وأزيلت عما فوقها وهو الجنة وعرش الرحمن كما يكشط الإهاب عن الذبيحة.
قوله: {وإذا الجحيم سعّرت} سعّرت بالتشديد للمبالغة، يعني أوقدت إيقادا شديدا.
13 - (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ)
قوله: {وإذا الجنة أزلفت} أي أدنيت وقرّبت من المتقين وذلّلت لهم تذليلا.
14 - (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)
قوله: {علمت نفس ما أحضرت} وهذا جواب لقوله: {إذا الشمس كوّرت} وما بعدها - والمعنى: أن لكل نفس حينئذ ما أحضرت من خير فتصير به إلى الجنة، أو شر فتصير به إلى النار 4.