وقال صاحب الكشاف: لولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا عندنا للكفار سقوفا ومصاعد وأبوابا وسررا كلها من فضة وجعلنا لهم زخرفا، أي زينة من كل شيء - والزخرف: الزينة والذهب - فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها فهلا وسّع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضا لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين.
قوله: {وزخرفا} منصوب بفعل مقدر، وتقديره: وجعلنا لهم زخرفا 13 والزخرف الذهب - ثم يشبّه به كل مموه مزور - والمزخرف معناه المزين 14 وقال ابن العربي"معنى الآية: أن الدنيا عند الله تعالى من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفار ودرجها وأبوابها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب فيحمل ذلك على الكفر - قوله: {وإن كل ذلك لماّ متاع الحياة الدنيا} {إن} ، المخففة بمعنى ما - و {لماّ} المشددة بمعنى إلا - يعني: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا 15."
قوله: {والآخرة عند ربّك للمتّقين} جعل الله الجزاء العظيم في الآخرة للمؤمنين المتقين الذين اجتنبوا الشرك والمعاصي وأخلصوا دينهم لله، فأطاعوه وأنابوا إليه خاشعين مذعنين والتزموا شرعه ومنهاجه - لا جرم أن الدار الآخرة لهي دار البقاء والقرار - الدار التي لا يفنى نعيمها ولا يزول 16.
قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين 36 وإنّهم ليصدّونهم عن السّبيل ويحسبون أنّهم مهتدون 37 حتّى إذا جآءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين 38 ولن ينفعكم اليوم إذ ظّلمتم أنّكم في العذاب مشتركون 39 أفأنت تسمع الصّمّ أو تهدي العمى ومن كان في ضلال مبين 40 فإمّا نذهبنّ بك فإنّا منهم مّنتقمون 41 أو نرينّك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون 42 فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم 43 وإنّه لذكر لّك ولقومك وسوف تسئلون 44 وسأل من أرسلنا من قبلك من رّسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} .
{يعش} بمعنى يعمى، ومنه عشا عشا إذا عمي - والعشا مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار - والمرأة عشواء، وعشا عنه أي أعرض 17 ومعنى الآية: من يعرض عن القرآن وما فيه من جليل المعاني والأحكام والعبر فيعتاض عن ذلك بالأباطيل والضلالات يعاقبه الله بشيطان يقيضه له - وهو قوله: {نقيّض له شيطانا} {نقيّض له} ، أي نقدر له ونسبب - نقول: قيّض الله فلانا بفلان، أي جاء به وأتاحه له - {وقيّضنا لهم قرنآء} أي سبّبنا لهم من حيث لا يحتسبون 18.
فالله جل وعلا يتوعد من أعرض عن دينه وقرآنه بعقابه بشيطان يقيضه له فيلازمه ويضله {فهو له قرين} أي ملازم له ومصاحب، فهو يتبعه في الدنيا ولا يفارقه ليوحي إليه الكفر وفعل المعاصي والسيئات، ويكرّه إليه الإيمان والطاعات - وهو كذلك قرينه في الآخرة - فإذا خرج من قبره فإنه يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار معا بخلاف المؤمن، فإنه يشفع بملك حتى يقضي الله بين العباد.