وفي الآية تحضيض مؤثر وكريم على إنفاق المال في وجوه الخير كبذله في سبيل الله وإنفاقه على الأهل والأولاد والعيال والأرحام وغيرهم من المحاويج ومن ينفقه يكن له أجر عظيم وهو قوله: {فيضاعفه له} أي يعطيه من الأجر أضعافا مضاعفة {وله أجر كريم} أي وله فوق تلك الأضعاف المضاعفة أجر عظيم وكريم في نفسه وهي الجنة - وقد روي عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟ قال:"نعم يا أبا الدحداح"قال: أرني يدك يا رسول الله - قال: فناوله يده - قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي - وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها - فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح - قالت: لبيك - قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل - وفيه رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح - ونقلت منه متاعها وصبيانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كم من عذق رداح في الجنة ودار فياح لأبي الدحداح"4.
قوله تعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم 12 يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب 13 ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور 14 فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} .
ذلك إخبار من الله عن أحوال الناس يوم القيامة وما يكابدونه حينئذ من صنوف الأهوال والأفزاع والبلايا - ويكتب الله النجاة والسلامة يومئذ للمؤمنين ليسلكوا سبيلهم إلى الجنة آمنين سعداء - ثم يبقى المنافقون الخاسرون في ظلمات الحشر يكابدون الشدة والخوف والحر والظمأ واليأس - نجّانا الله من ذلك.
وفي هذا يقول سبحانه: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} يوم، منصوب على أنه ظرف - أو منصوب بإضمار الفعل (اذكر) تعظيما لذلك اليوم - وفي هذه الآية يخبر الله عن المؤمنين الصادقين أنهم يوم القيامة {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} أي يمضي نورهم أمامهم وبأيمانهم.
وذلك على قدر أعمالهم فيمرون به على الصراط - وقيل: ليس من أحد إلا ويعطي نورا يوم القيامة فإذا انتهوا إلى الصراط انطفأ نور المنافقين فأشفق المؤمنون أن ينطفئ نورهم كما انطفأ نور المنافقين فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا - وقوله: {بين أيديهم وبأيمانهم} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم فجعل النور في الجهتين شعارا لهم وعلامة.
قوله: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} يقال يومئذ {بشراكم} أي لكم البشارة بجنات {تجري من تحتها الأنهار} لابثين ما كثين فيها أبدا لا تبرحون ولا تتحولون {ذلك هو الفوز العظيم} إنه الفوز الأكبر والسعادة الكبرى التي لا يعدلها فوز ولا سعادة.