والمقصود: أن الملائكة حيوا نبي الله إبراهيم بالسلام؛ أي: سلمنا عليك سلاما - أو سلمت فحياهم إبراهيم بمثلها وهو قول: عليكم السلام - والسلام يأتي على عدة معان - منها أنه اسم من أسماء الله تعالى - وهو التحية عند المسلمين - ويأتي بمعنى الأمان - والصلح والبراءة من العيوب 84.
قوله: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} أي فما لبث حتى جاء بعجل حنيذ - أو فما لبث في المجيء به بل عجل فيه - والحنيذ، هو المشوي النضيج - حنيذ الشاة أي شواها وجعل فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ - وهو من فعل أهل البادية - والمقصود: أن إبراهيم قد خف سريعا فأتاهم بالضيافة وهو عجل من صغار البقر، محنوذ؛ أي مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة 85.
قوله: {فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة} لم تتقدم الملائكة نحو الطعام بل قبضوا أيداهم ولم يأكلوا، فنكرهم إبراهيم، أي أنركهم، أو استنكر إحجامهم عن الطعام {وأوجس منهم خفية} أوجس، من الوجس والإيجاس والتوجس، ومعناه الإدراك أو الإضمار 86؛ أي أضمر إبراهيم في نفسه الخوف والفزع منهم؛ فقد كانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرا، فقالت الملائكة: {لا تخلق إنا أرسلنا إلى قوم لوط} لما ادع إبراهيم أمر ضيفانه وأوجس في نفسه منهم خفية، قالوا له: لا تفزع ولا توجل وكن آمنا، فإنا ملائكة الله أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم.
قوله: {وامرأته قائمة فضحكت} قيل: اسم امرأته سارة وهي بنت عمه كانت {قائمة} تخدم الرسل وإبراهيم - أو كانت رواء الستر تسمع تحاورهم {فضحكت} سرورا بهلاك قوم لوط الذين كانوا يعملوا الخبائث، أو أنها ضحكت سرورا بزوال الخوف - وقيل: ضحكت ضحك التعجب - ثم جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس وهو قوله: {فبشرناها بإسحاق} أي بشرناها بولد؛ لأنها لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل.
{ومن وراء إسحاق يعقوب} يقرأ يعقوب بضم الباء وفتحها - أما الضم: فهو لكون يعقوب مرفوعا؛ لأنه مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره - أما الفتح: فلكونه في موضع نصب، بتقدير فعل دل عليه قوله: {فبشرناه} ، وتقديره: بشرناها بإسحق ووهبنا له يعقوب من رواء إسحق - أو أن يكون معطوفا على موضع قوله: بإسحق، وموضعه النصب - كقولهم: مررت بزيد وعمرا 87.
والمعنى: بشرناها بإسحق ووهبنا لها من بعد إسحق يعقوب - وبذلك بشرت سارة بولد يكون نبيا ويلد نبيا - فكانت هذه بشارة لها بأن ترى ولد ولدها، ومن هذه الآية استدل العلماءعلى أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحق؛ لأن البشارة وقعت به، وأنه سيولد له يعقوب؛ فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق ليس فيه خلف، فلا يمكن والحالة هذه أن يؤمر إبراهيم بذبح إسحق؟ فتعين أن يكون الذبيح هو إسماعيل.