قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} أقواتها تعني أرزاق العباد ومعاشهم وما يصلحهم، وما يقتضيه ذلك من الأمطار والأنهار وصلوح الأرض للسعي والزرع، والمراد بأربعة أيام: أي اليومين الأولين المذكورين وبذلك بارك في الأرض وقدّر فيها أقواتها من الأرزاق والخيرات والمعايش في تتمة أربعة أيام - قال القرطبي مثالا على ذلك: ومثاله، قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشرة يوما - أي في تتمة خمسة عشرة يوما.
قوله: {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} {سواء} منصوب على لمصدر بمعنى استواء وتقديره: استوت استواءً، ويقرأ مرفوعا، على أنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هي سواءٌ - والقراءة المشهورة هي النصب - 9
والمعنى: في أربعة أيام مستوية تامة - وقيل: قدّر أقواتها سواء للمحتاجين - وقيل: خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل.
قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} أي عمد إلى خلقها، وقصد لتسويتها - وقيل: صعد أمره إلى السماء {وَهِيَ دُخَانٌ} والمراد بالدخان ههنا بخار الماء، وهكذا كانت السماء في أول نشأتها - كانت طبقات كثافا من بخار الماء قبل أن يبرد وييبس ويصير أجراما سماوية مختلفة الأشكال والأحجام، وقد ذكر الباحثون في علوم الطبيعة أن الكون كله كان في بداية تكوينه ونشأته سديما واحدا مختلطا من كتلة هائلة من الغاز شديد الحرارة حتى إذا برد تحوّل إلى مختلف الأجرام السماوية من الكواكب والنجوم والأرض وغير ذلك من مركبات هذا الفضاء الواسع.
قوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أمر الله السماء والأرض أن يجيئا بما خلقه فيهما، {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} ، أي طائعين أو مكرهتين، فالسماء تجيء بما خلق فيها من شمس وقمر ونجوم وكواكب، والأرض تجيء بما خلق فيها من خيرات وثمرات ونباتات وأنهار وجبال وسهول؛ فقد أمرهما الله أن يجيئا بما خلق فيهما من أسباب الرزق والعيش ومن كمال الصورة والهيئة وتمام الاتساق والانسجام طائعتين أو مكرهتين {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} جمعهما جمع من يعقل؛ لأنه وصفهما بالقول والطاعة وذلك من صفات من يعقل 10 فقد بادرت الأرض والسماء الجواب قائلين {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} أي أعطينا طائعين من غير إكراه، أو أتينا أمرك طائعين - والمراد بالقول منهما: ظهور الطاعة منهما؛ إذ انقادا وامتثلا للأمر فقم ذلك مقام قولهما.
وقيل: كان ذلك قولا منطوقا تكلمتا به بتقدير الله.
قوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} {سَبْعَ} منصوب على البدل من الهاء والنون في قوله: {فَقَضَاهُنَّ} 11 أي أكمل خلقهن وأحكمهن في يومين سوى الأيام الأربعة التي أتم فيها خلق الأرض، فكان خلْق السماوات والأرض في ستة أيام، والله سبحانه وتعالى أعلم بطول الواحد من هذه الأيام ومداه.
قوله: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} خلق كل سماء خَلْقَها من الملائكة ومختلف الأجرام من شموس وأقمار وكواكب ونجوم وأفلاك.