قوله: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) الأمر للندب والاستحباب فيندب لصاحب الذبيحة أن يأكل منها - أما (القانع) فهو المتعفف، و (المعتر) معناه السائل - وقيل: (القانع) الذي يقنع بما يؤتاه، و (المعتر) معناه الذي يعترض فيسأل - وقيل: (القانع) الذي يسأل، (والمعتر) الذي يتعرض ولا يسأل.
ويُستدل بهذه الآية على أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء، أو ثلاثة أثلاث، فثلث لصاحبها وعياله - وثلث يهديه لأصحابه - وثلث يتصدق به على الفقراء وهو قول الحنفية - وذلك لقوله تعالى: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله (ص) قال للناس:"إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فكلوا وادخروا ما بدا لكم"وفي رواية:"فكلوا وادخروا وتصدقوا"وفي رواية:"فكلوا وأطعموا وتصدقوا".
وعند الشافعية، أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف - وذلك لقوله تعالى: (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) .
قوله: (كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون) أي مثل ذلك التسخير ذلل الله لكم هذه الأنعام لتكون منقادة لكم إلى حيث تريدون وما تبتغون من منفعة لكي تشكروا الله على ما خوّلكم من نعمة فتطيعوه وتعبدوه 54.
قوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) } .
شرع الله لعباده ذبح هذه الأنعام لينتفعوا بها منافع كثيرة فيذكروه ويشكروه على هدايته لهم وما خوّلهم إياه من خير ونعمة - والله جل وعلا لا يناله شيء من هذه الأضاحي أو الهدايا، لا من دمائها ولا من لحومها؛ فهو سبحانه غني عن كل شيء، وغني عن العالمين.
وقد كان المشركون في جاهليتهم إذا ذبحوا شيئا من النعم لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم فنضحوا عليها من دمائها فنزل قوله: (لن ينال الله لحومها ولا دماءها ولكن يناله التقوى منكم) أي يصله منكم تقوى قلوبكم وهو خشيتكم لله وإخلاصكم وطاعتكم له سبحانه فيجازيكم على ذلك خير الجزاء.
قوله: (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم) أي سخر لكم هذه البدن لتعظموا ربكم وتخلصوا له الطاعة والعبادة مثلما هداكم لدينه وشرعه (وبشر المحسنين) أي بشر المؤمنين المذعنين للهب الخضوع والطاعة، بحسن الجزاء.
على أن الأضحية واجبة على من ملك نصابا - وهو قول الحنفية والمالكية وزاد الإمام أبو حنيفة اشتراط الإقامة من أجل الوجوب - ودليل الوجوب ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا:"من وجد سعة فلم يضح فلا يقربنّ مصلانا"وهي مستحبة عند الشافعية والحنبلية وليست واجبة - وذلك للخبر:"ليس في المال حق سوى الزكاة"والراجح القول بعدم الوجوب - ويعزز ذلك أن النبي (ص) ضحّى عن أمته فأسقط وجوب ذلك عنهم - وقيل: الأضحية سنة على الكفاية إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت سقط وجوبها عن الباقين.