قوله: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} الأرض المقدسة أي الطاهرة - سميت مقدسة، لأنها جعلت موطن الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه - أو لبركة بيت المقدس الذي كان مكتوبا في علم الله أن سيكون في هذه الديار - والأرض المقدسة هي بيت المقدس - وقيل: دمشق وفلسطين والأردن، وقيل الشام.
فقد أمر الله نبيه وكليمه موسى عليه السلام أن يحرض بني إسرائيل على مجاهدة العمالقة الجبارين ليستعيدوا منهم البلاد المقدسة فيسكنوها لما كتب الله أنها تكون لهم شريطة أن يقاتلوا الجبابرة ولا يرهبوهم أو يهابوهم - وهو مقتضى قوله: {التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} أي لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين هاربين خوفا وجبنا من العمالقة الجبارين - وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم مجهشين بالبكاء مما أصابهم من شدة الذعر والهلع وانهيار الأعصاب - وقالوا: يا ليتنا متنا بمصر - وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأسا يعود بنا إلى مصر 66 وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في الفقرات القادمة.
قوله: {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} الجبارون جمع جبار وهو العاتي الذي يقهر الناس على فعل ما يريد - وقيل: الجبار، الطويل العظيم القوي - فقد كانوا في غاية القوة وعظم الجسم حتى خافهم القوم واضطربت قلوبهم من شدة الهول والهلع، فانثنوا عن أمر موسى بالدخول عليهم ومجاهدتهم إلا إذا خرجوا منها، فإن خرجوا منها فلسوف يدخلها بنو إسرائيل من غير جهد ولا بلاء إلا التربص والتردد والخور.
قوله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} هذان الرجلان اللذان حرضا على المضي لدخول باب البلدة حيث العمالقة كانا من النقباء الاثني عشر فهما ممن أنعم الله عليهما بالهداية واليقين والثقة بنصر الله، فحرضا القوم على الجهاد ودخول البلد متوكلين على الله وستكون الغلبة لهم على أعدائهم إذا هم حملوا عليهم مجالدين مستنصرين بالله.
وقيل: الرجلان كانا من العمالقة وكانا من المؤمنين الذين يخفون إيمانهم ويخافون: أي يخافون من الجبارين أن يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم وكانا يعلمان أن الجبارين العمالقة خاوية قلوبهم - وهم ليسوا إلا أجسادا هائلة ضخمة فارغة من كل ظواهر الشجاعة أو البأس - فلئن قاتلهم أصحاب موسى ودخلوا عليهم باب البلد فلسوف يفرون (العمالقة) فرارا - ولسوف تطير قلوبهم فرقا ورعبا ثم يولون مدبرين مقهورين لا يلوون على شيء.