قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفورا رحيم) هذه الآية تشتمل على فوائد جمة وأحكام تفصيلية عظيمة جديرة بالحديث عنها والتبيين - لكن الآية الأولى فيها إباحة للمؤمنين أن يأكلوا من طيبات الرزق - وقد بينا سابقا معنى الطيب على قولين: أحدهما: أنه الحلال غير المحظور - وثانيهما: أنه ما تلذ به النفس وتستطيبه.
ويأمر الله كذلك أن يشكر المؤمنون ربهم عقيب استمتاعهم بالطيبات من الرزق، والشكر من العبادة لله يعني الاعتراف بالنعم التي امتن بها الله على الناس، ويقترن بذلك العمل وهو المبادرة بالامتثال والطاعات، وبذلك فإن الشكر يكون بالقول والعمل معا - ذلك إن كان المؤمنون يبتغون لأنفسهم الخير والرضى من الله ليظفروا بسليم العاقبة وحسن المآل - وفي الأكل الحلال والاستمتاع بالطيبات من الرزق أخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) :"أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُدِيَ بالحرام فأنّى يستجاب لذلك".
وقوله: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) (وقوله:(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) (إنما) ، اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل، وإنما تجيء في الكلام لإثبات المذكور ونفي ما سواه 161، وهي بذلك تفيد الحصر - أي أن التحريم محصور في الأعيان المبينة في هذه الآية - و (الميتة) منصوب على المفعولية للفعل (حرم) - وما بعدها معطوف عليها - أما من الناحية الشرعية فإن التحريم يشمل كلا من:
(الميتة) وهي الدابة مأكولة اللحم أصلا، لكنها فارقتها الروح من غير تذكية شرعية معلومة - فما كان كذلك فهو غير مأكول إلا ما استثني من ذلك وهما السمك والجراد؛ لقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه) وفيما أخرجه أهل السنن عن النبي (ص) قال:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته"يشير بذلك إلى البحر.
وروى الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر حديثا مرفوعا:"أحل لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد، والكبد والطحال"وبذلك فإن استثناء السمك والجراد يأتي على سبيل التخصيص لهذا الآية الكريمة.
أما الانتفاع بالميتة التي فارقتها الروح من غير تذكية شرعية معلومة فهو موضع خلاف كذلك - فثمة قولان في هذه المسألة: أحدهما: أن الانتفاع بالميتة جائز واستدلوا على ذلك بأن النبي (ص) مرّ على شاة ميتة لميمونة فقال:"هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموها فانتفعتم به".
وثانيهما: أن الانتفاع بالميتة كيفما كان غير جائز؛ استنادا إلى ما روي عن النبي (ص) قوله:"لا تنتفعوا من الميتة بشيء"وفي حديث آخر:"لا تنتفعوا من الميتة بشيء"وفي حديث آخر:"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".