فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 2536

126 - (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} .

تتضمن الآية دعاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لمكة أن يجعلها الله بلدا آمنا فيعمها الرخاء والطمأنينة والرزق الوفير - وقوله: (آمنا) من الأمن والأمان وهو يعني الطمأنينة والسلام بعيدا عن الشك والاضطراب والتخوف وفي منجاة من كل ظواهر الشر والعدوان.

هذا هو دعاء إبراهيم لمكة أن يجعلها الله تعالى عامرة بالبركة والسلام فلا يتخللها أذى ولا يقع بساحتها بائقة من بوائق العدوان والشر، وما من شيء فيها إلا وهو آمن لا تتطاول إليه يد بأذى حتى الشوك والشجر يظل مسترسل الأوراق والغصون فلا يتجاوز عليها أحد بالقطع - حتى الصيد تمرح قطعانه في أرجاء مكة فلا يناله أحد بآلة أو شراك مادام يتظلل بأفياء هذه البلدة المباركة القدسية التي كتبها الله مثابة للمؤمنين على طول الزمن فتهوي إليها أفئدتهم وأرواحهم؛ ثم يدخلونها وهم آمنونا مطمئنون، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، ولا عدوان ولا تخاصم، ولا قتال ولا اقتتال.

وثمة مسألة تستوجب التوضيح وهي ما إذا كانت مكة حرما آمنا بدءا بعهد إبراهيم وبفضل دعائه، أم أنها كانت كذلك قبل إبراهيم - فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن مكة باتت آمنة بفضل الدعاء الخاشع الذي تضرع به إبراهيم عليه السلام في قوله: {اجعل هذا بلدا آمنا} واستدلوا على ذلك بجملة أحاديث نبوية نذكر منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:"كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فإذا أخذه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:"اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه"114."

وأخرج مسلم أيضا في هذا الصدد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:"إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة"115 - وغير ذلك من الأحاديث كثير.

وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن مكة قد جعلها الله بلدا حراما قبل إبراهيم الخليل بل يوم خلق الله السماوات والأرض، فهي بذلك حرام بحرمة الله تعالى بداء بإيجاد الخليفة حتى تقوم القيامة - واستدلوا لذلك بعدة أحاديث أخر، منها ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم فتح مكة:"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة - وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكُه، ولا يُنفر صيده، ولا يُلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يُختلى خلاها"قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال:"إلا الإذخر"116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت