هكذا كان خليل الرحمن إبراهيم، هذا النبي الأواه الحليم لا جرم أنه غاية في الحنيفية المستقيمة البعيدة أشد البعد عن كل صور الإشراك بالله، ما بين عبادة لصنم أو بشر أو غيرهما من الكائنات وأشكال الهوى والشهوات - ولهذا قال سبحانه: (وما كان من المشركين) .
وربما يهرف حانق مارق أو مجادل خصيم بأن ما اعترضتم به على مقالة اليهود والنصارى في دعواهم أن إبراهيم كان منهم- ينسحب كذلك على الإسلام القائل (ولكن كان حنيفا مسلما) مع أن إبراهيم سابق لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم بزمن بعيد!
والجواب عن ذلك أن المراد بالحنيف المسلم ما بيناه آنفا - وجملته أن إبراهيم كان على الحنيفية السمحة المبرأة من كل أدران الوثنية والشرك، الحنيفية التي تعني الميل عن الشرك إلى الإسلام والثبات عليه - وأساس ذلك كله الإقرار الكامل لله بالعبودية وأنه وحده الإله المعبود الديان.
والمسلمون في كل زمان خليقون بالمفاخرة أن يكون إبراهيم منهم - وذلك لحنيفيته وعظيم إقراره لله بالعبودية، فأولى الناس بإبراهيم هذه الأمة المستقيمة الموحدة - الأمة السائرة على المحجة السليمة البيضاء بقيادة نبيها العظيم الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه و سلم - فضلا عن الذين اتبعوا إبراهيم في زمنه - ولهذا قال الله عز وعلا: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) أي أخص الناس بإبراهيم وأقربهم منه وأحقهم بنصرته وولايته وأجدر أن تكون لهم الحجة في ذلك هم الذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا به واتبعوا سنته وارتضوا بملة الإسلام دينا وهداية.
وأولئك هم أولياء الله، وهو سبحانه وليهم وناصرهم وسيجزيهم الخير والصلاح والحسنى 119.
قوله تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) قوله في الآية: (من) للتبعيض - فقد ذكر أهل الكتاب ولم يعمهم؛ لأن منهم من آمن - وقيل نزلت الآية في معاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة إذ دعاهم اليهود إل دينهم.
قوله: (لو يضلونكم) لو للتمني بمعنى أن، وهي مصدرية - فيكون التقدير ودت طائفة من أهل الكتاب إضلالكم أي أن يصدوكم عن الإسلام ويردوكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر - وهذا هو ديدن الحاسدين الحاقدين من شرار البرية الذين تتفطر قلوبهم حسدا وحقدا على المسلمين؛ وذلك لفرط ما تكنه صدورهم لهم من الغيظ والكراهية لكونهم مسلمين - فهم بذلك يتمالؤون على المسلمين بكل الأسباب والأساليب والمخططات لحرفهم عن ملة الإسلام إلى ملل الكفر إن استطاعوا، بل إنهم ينفقون في ذلك الأموال الطائلة ويبذلون فيه أضخم الجهود من غير كلل ولا ملل لتشويه الإسلام في أذهان المسلمين ولحرف المسلمين إلى ملل الضلال والباطل.
وقوله: (وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون) وإضلالهم أنفسهم معناه إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب وعود الوبال عليهم لقصدهم إضلال غيرهم - (وما يشعرون) أي لا يعملون ولا يدرون أن وزر هذا الإضلال إنما يحيق بهم.