قوله: {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا} (ذلك) إشارة عائدة إلى ما ذكر من الوعيد؛ فهو جزاء هؤلاء المكذبين - و (جهنم) عطف بيان لقوله: (جزاؤهم) - أو (جزاؤهم جهنم) مبتدأ وخبر، والجملة كلها خبر لاسم الإشارة، ذلك والباء في قوله: (بما كفروا) للسببية، أي إنما جازاهم الله بهذا الجزاء العسير بسبب كفرهم وتكذيبهم واستهزائهم بآيات الله 108.
قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) } ذلك إخبار من الله ذي الفضل والرحموت عما أعده لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وذان شرطان أساسيان يكمل أحدهما الآخر، وهما الإيمان وفعل الصالحات؛ فالإيمان الصحيح أساس القبول، وبه تتم الصالحات - ثم فعل الصالحات شرط ثان مكمل للإيمان - وهما باجتماعهما واتساقهما معا تتحقق الاستقامة ويرتجى القبول وحسن الجزاء في الدار الآخرة - أولئك المؤمنون الذين يعملون الصالحات جازاهم الله خير الجزاء، وأعطاهم من عظيم الأجر ما لا تتخيله أذهان البشر - وتلك هي جنات الفردوس جعلها الله نزلا لعباده المؤمنين الصالحين والنزل بمعنى الضيافة والمستقر والفردوس لهو ذروة المراتب من درجات الجنة - وهو ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها - وفي الصحيحين،"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة؛ وأوسط الجنة، ومن تفجر أنهار الجنة".
قوله: {خالدين فيها لا يبغون عنها حولا} (خالدين) حال - و (حولا) منصوب على التمييز - وقيل: على أنه مصدر 109؛ أي أن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جزاؤهم أنهم ماكثون دائمون في الفردوس، ولا يبطلون أن يتحولوا عنها إلى غيرها؛ فالفردوس مقامهم الخالد السرمدي الذي لا يختارون عنه متحولا ولا ظعنا - جعلنا الله برحمته ولطفه منهم.
قوله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) قال ابن عباس: قالت اليهود، لما قال لهم النبي (ص) : (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) الآية - وقيل: قالت اليهود: إنك أوتيت الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا - فرد عليهم بأنه: وإن أوتيت القرآن وأتيتم التوراة؛ فهي بالنسبة لكلمات الله تعالى قليلة 110 - والمراد بكلمات الله: حكمته البالغة وعلمه الذي لا ينتهي - والمداد، ما يكتب به من الحبر.