فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 2536

قوله: (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) خرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود منه الدعاء عليهم من الرسول صلى الله عليه و سلم أن يهلكهم الله كمدا، لفرط ما يركم في نفوسهم من الغيظ على المسلمين - وذلك إيذان بقوة الإسلام وعلو سلطانه، فالمراد من الدعاء عليهم بزيادة غيظهم هو التضرع إلى الله بازدياد قوة الإسلام وعلو شأنه مما فيه إغاظة للكافرين المنافقين الذين لا تخفى على الله حالهم، وذلك مقتضى قوله تعالى: (إن الله عليم بذات الصدور) ذلك تهديد لهؤلاء الحاقدين المتربصين الذين يعلمهم الله ويعلم ما تكنه صدورهم من الغل والبغضاء والاغتمام والكمد.

قوله: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) هذه واحدة من الأوصاف الذميمة للمنافقين - هؤلاء الذين يتربصون بالإسلام والمسلمين الدوائر ويرجون لهم كل وجوه الشر والضر، كالهموم والمنون والمضانكة إلى غير ذلك من ألوان الكرب والضيق والفقر والمرض والهزيمة، لكنهم يستاءون لما يصيب المسلمين من وجوه الخير والبركة ما بين نصر الإسلام وعلو شأنه ومكانته - وما يكتبه الله للمسلمين من الاستعلاء والائتلاف والعافية والخصب، وكثرة الأموال والثمرات وازدياد الأنفس والجموع المؤمنة.

قوله: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) يعني إن تصبروا على طاعة الله وعن معصيته فتجتنبوا نواهيه ولا تتخذوا لكم بطانة من الكافرين والمنافقين فسوف لا يضركم كيدهم شيئا - والمراد بالكيد المكر والخبث وما يبتغيه لكم هؤلاء من غوائل ومفاسد وشرور - و (شيئا) نائب مفعول مطلق محذوف.

قوله: (إن الله بما يعملون محيط) ذلك من مجاز الله - والمقصود بالإحاطة أنه عالم بما يعمله هؤلاء الكافرين في المسلمين من فساد وصد عن سبيل الله، وهو تعالى حافظ لكل ما يجري من قول أو فعل ولا يعزب عنه شيء من ذلك 209 - وفي ذلك من إيقاظ للحس والخيال، وتنشيط للذهن والقلب ما يجعل المرء دائب الوعي والتبصر والرهافة، ذلكم الإنسان البصير الذي يعي حقيقة الإحاطة الربانية لكل ما حواه الوجود من شيء وموجود.

قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) .

نزلت هذه الآية في غزوة أحد وهو قول الجمهور من العلماء - فكان المشركون قد قصدوا المدينة في ثلاث آلاف رجل ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر، فنزلوا عن أحد على شفير الوادي مقابل المدينة - وكان ذلك في الأربعاء في الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة - وقد رأى النبي صلى الله عليه و سلم في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة - فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون وأن رجلا من أهل بيته يصاب وأن الدرع الحصينة المدينة.

قوله: (وإذ غدوت من أهلك) يعني واذكر إذ خرجت في الصباح من منزلك من عند عائشة (تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) أي تنزلهم وتهيء لهم - بوأته منزلا وبوأت له منزلا أي أنزلته فيه، وتبوأ منزلا أي نزله، والمباءة والباءة بمعنى التنازل، والجملة الفعلية (تبوئ المؤمنين) في محل نصب على الحال - والمعنى: اذكر إذ خرجت من منزل أهلك تتخذ للمؤمنين مقاعد للقتال، أي أماكن يقعدون فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت