قوله: {فجعلنها حصيدا كأن لم تعن بالأمس} الحصيد، معناه المستأصل 32 - أي جعل الله زرعها مقطوعا مقلوعا من أصوله {كأن لم تغن بالأمس} أي كأن لم تكن هذه الزروع والثمرات نابتة على ظهر الأرض بالأمس - وقوله: {لم تغن} من غني بالمكان؛ إذا أقام به - والمعاني في اللغة بمعنى المنازل، أو المواضع التي كان بها أهلوها 33.
قوله: {كذالك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} أي مثل هذا التفضيل عن حقيقة الدنيا وأنها زينة عاجلة وزخرف مموه عابر فما تلبث أن تزول، نبين لكم الآيات لكي تتدبروا وتعتبروا - أو نبين ونوضح الدلائل والحجج لأولي النهى والأبصار الذين يتفكرون ويتدبرون في خلق الله وفي عجائب قدرته.
قوله: {والله يدعو إلى دار السلام} بعد أن بين الله هوان الدنيا وزينتها وأنها دار فناء وفتن، فحذر من الاغترار بزخرفها أو الركون إليها والرضى بها -بعد ذلك رغب الناس في دار السلام وهي الجنة التي أعدها الله لبعاده المتقين الصالحين؛ فهي دار أمن ونجاة ورحمة وخلود - من دخلها أمن الموت أو الزوال، وسلم من الهموم والأحزان - لوم يأت عليه المصائب والمكدرات - تلك الدار التي يدعوا الله عباده للحرص على الفوز بها، وطريق ذلك الإيمان الصحيح، والطاعة المخلصة لله وحده، والتزام دينه ومنهجه، قوله: {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} أي يوفق الله من يشاء إلى الاسلام وهو الصراط المستقيم؛ فالدعوة إلى دار السلام عامة، والهداية خاصة بمن شاء أن يهديه 34.
قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا ترهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} .
الذين أحسنوا، وهم المحسنون الذين قاموا بما أوجبه الله عليهم خير قيام، وكفوا عما نهاهم عنه من المعاصي والآثام - و {الحسنى} معناها هنا الجنة.
والزيادة، يراد بها النظر إلى وجه الله الكريم - وهو قول كثير من السلف والخلف منهم: أبو بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وصهيب وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وقتادة والسدي ومجتهد وعطاء والضحاك - وقد ورد في هذا جملة أخبار منها: ما رواه مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولن: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) وفي رواية: ثم تلا: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} .
وأخرج الترمذي عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله في قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: (النظر إلى وجه الرحمن) وعن قوله: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} قال: (عشرون ألفا) .
وروي الإمام أحمد عن صهيب (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ونادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند اله موعدا يريد أن ينجزكموه) فيوقون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: (فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم) .