والإنسان بطبعه تؤزّه فظاظة الحديث وبذاءة اللسان - فما يتلقى الإنسان من خصمه فاحش القول حتى يستشيط كراهية ونفورا وامتعضا - وذلك يفضي في الغالب إلى اشتداد الخصام والشقاق بين المسلمين، وتدمير الأخوة والعلائق الودية فيما بينهم - وهذا ما يبتغيه الشيطان للعباد - وهو قوله سبحانه: (إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) (ينزغ) بمعنى يفسد 64؛ فالشيطان كائن شرير، قد جبل على الشقاوة والشر، وهو عدو لآدم وذريته - وهو بطبعه يركم في أعماقه الحقد والضغينة والرغبة المستديمة في الانتقام من البشر بإيرادهم موارد الشر والمكاره والخسران - فما من فرصة أو فسحة إلا ويتدسس من خلالها الشيطان من أجل الوقيعة بين الناس؛ فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص) :"لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار".
قوله تعالى: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض وآتينا داود زبورا (55) } الله عليم بمن يستحق التوفيق والرحمة من عباده فيهديه لدينه - وهو أيضا عليم بمن يستحق الخذلان فيضله ويعذبه - فما يكون من رحمة ولا عذاب إلا بمشيئة الله - وأنه لا يندّ عن مشيئته وإرادته شيء - قوله: (وما أرسلناك عليهم وكيلا) أي ما أرسلناك للناس لتكون عليهم رقيبا، وإنما أرسلناك إليهم لتبلغهم دعوة الله وتحذرهم الوقوع في الشرك والعصيان.
قوله: (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض) الله عليم بخلقه الذين حفلت بهم السماوات والأرض؛ فهم في كفرة أعدادهم واختلاف أنواعهم وأجناسهم وألوانهم وطبائعهم لا يعلمهم إلا الله - وقد خلق الله عباده مختلفين متفاوتين فيما بينهم في القدرات والطاعات والفطر - والله عليم بمن يستحق الرحمة والتوفيق والهداية ليكون من أهل الفلاح والنجاء، وهو سبحانه عليم أيضا بمن يستحق الخذلان ليكون من أهل التعس والشقاء.
قوله: (ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض) هذه سنة الله في عباده أن جعلهم مختلفين في أقدارهم ومنازلهم، متفاوتين في درجاتهم ومراتبهم - وهذه الحقيقة في المفاضلة تنسحب على عموم النبيين والمرسلين ولا خلاف أن المرسلين أفضل من النبيين غير المرسلين - وكذلك فإن أولي العزم من الرسل أفضل من بقيتهم - وأولوا العزم من الرسل خمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام - ويستفاد من ذلك قوله: (وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) ومن الثابت أن محمد أفضل النبيين والمرسلين، ومن بعده إبراهيم الخليل، ثم موسى، ثم عيسى - وذلك هو تقدير الله في الخلق لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
قوله: (وآتينا داود زبورا) ذلك تنبهي على فضل هذا النبي الكريم؛ فقد آتاه الله الزبور - وهو كتاب سماوي مقدس يتكون من مجموعة من الخطب والدعاء كان داود يخاطب بذلك ربه كلما دخل بيت العبادة - وبذلك فإن الزبور ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود - وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد - وقد روي عن أنس قوله في ذلك:"الزبور ثناء على الله، ودعاء وتسبيح"65.