فهرس الكتاب

الصفحة 1286 من 2536

قوله تعالى: {قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم (37) } الضمير في قوله: (منها) يعود إلى السماء - وقيل: إلى الجنة؛ فقد أمره الله بالخروج منها - فمثله من الخبث والعصيان وسوء الطبع، ما لا يضاهيه في ذلك كائن؛ فهو غير خليق بالمكث في الجنة أو السماء حيث العلّيون، مقام الأبرار والأطهار من خلق الله - وذلك أول الإبعاد والدحر العاتي المتمرد؛ إذ دحره الله وأخرجه من دار فضله ورحمته بقوله: (فاخرج منها فإنك رجيم) أي مطرود من كل خير وفضل ورحمة - أو مرجوم بالذم والشتم.

قوله: {وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} ومع طرده من مقامات عليين حيث الأخيار والمصطفون الأكارم؛ فقد لعنه الله بلعنته إلى يوم الدين - وهو يوم القيامة حيث الجزاء والتعذيب في النار - واللعن، معناه الإبعاد من الرحمة والخير مقرونا بالشتم والدعاء عليه من كل المؤمنين إلى يوم القيامة وذلك على سبيل السخط أو التنكيل بهذا الشقي الأثيم الذي رأى من آيات الله في السموات ما يذهل العقل ويزلزل الكيان كله - لكنه مع كل ذلك أبى واستكبر، وعتا عتوا يتجاوز كل تصور - لا جرم أن إبليس لذو طبع خبيث شرير، تجتمع فيه كل سمات الشر والشقوة والتعس والباطل - فما بات بعد ذلك غير الكائن الأثيم المشؤوم الذي لا رجاء البتة في استقامته أو عوده إلى حظيرة الخير والصلاح.

قوله: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} الإنظار معناه الإمهال أو التأخير، فقد سأل إبليس رب العالمين أن يمهله فلا يميته حتى يبعث الناس يوم القيامة - وأراد إبليس من إمهاله حيا إلى يوم القيامة أن يكون له متسع وفسحة لإغواء الناس وإضلالهم وإشفاء لغليله المتعطش للانتقام والأخذ بالثأر - فأجاب الله سؤاله، لحكمة بالغة هو وحده يعلم حقيقة معانيها وكامل أبعادها ومراميها.

فقال: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} أي إنك من جملة الممهلين.

38 - (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)

{إلى يوم الوقت المعلوم} وهو وقت النفخة الأولى؛ إذ يصعق الخلق أجمعون إيذانا بفناء الحياة والعالمين وقيام الساعة 30.

قوله تعالى: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) قال هذا صراط على مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) } ما، في قوله: (بما) مصدرية؛ أي بسبب إغوائك إياي، وقيل: الباء للقسم؛ أي أقسم بإغوائك إياي (لأزينن لهم في الأرض) فقد أقسم إبليس على أن يزين المعاصي لذرية آدم في الدنيا بما يجعلها تروق لهم فيستحسنونها ويجدون فيها ما يثير فيهم القبول والاستمتاع فيقبلون عليها إقبالا جامحا ومغاليا - وهم بذلك يركضون لاهثين جامحين؛ إذ تستنفرهم الغرائز المشبوبة وتؤزهم الشهوات المستشرية في العميق من طبائعهم - والمراد بالأرض، الدنيا؛ فهي محل متاعها ودارها - بل هي دار غرور يفتتن الناس بطيباتها ولذائذها وزخرفها؛ فهي بذلك مستقر للتزيين والإغواء والإضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت