فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 2536

وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية باقية إلى يوم القيامة؛ فهي بذلك محكمة غير منسوخة بشرط الضعف الذي بينه الله في آية أخرى وهي {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} أما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من مثليهم - فإن كان العدو أكثر من مثلي المسلمين جاز لهم الفرار ما لم يبلغ عددهم اثني عشر ألفا - فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار، وإن زاد عدد المشركين على مثليهم - وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة) وبذلك فإن الصواب تحريم الفرار يوم الزحف في كل الأزمان على ما بيناه أنفا - فإن الفرار لا يجترئ عليه إلا الخائرون الخاسرون الذين يؤثرون أنفسهم على الإسلام والمسلمين والذين يرضون لأنفسهم الدنية، والاستخذاء ليكونوا مع الجبناء والرعناء وهم يأخذون في التسلل أو الهروب في خسة ومهانة فينجون بأنفسهم وحدهم تاركين إخوانهم المسلمين من خلفهم يقاتلون وحدهم العدو المتربص الظالم.

قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} التحرف للقتال هو الكر بعد الفر؛ إذ يخيل المتحرف لعدوه أنه منهزم ثم يباغته الهجوم - وهذا من باب الخداع والمكايدة في الحرب، فالحرب خدعة، أو هو التحرف من جانب إلى جانب في المعركة طلبا لمكابد الحرب وخداعا للعدو.

أما المتحيز؛ فهم من التحيز، ومعناه التنحي - فالمتنحي عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره - فالمتحيز إلى فئة هو الذي يفر من هنا حيث لقاء العدو إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه - أو هو المتحيز إلى فئة (جماعة) من المسلمين غير الجماعة التي في مواجهة العدو.

وجملة القول: أن الفرار أو الانهزام من مواجهة العدو يوم الزحف حرام إلا في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون {متحرفا لقتال} - وهو أن يتخيل إلى عدوه أنه منهزم ثم ينعطف (ينثني) عليه على سبيل الخدع والمكايدة.

الحالة الثانية: أن يكون {متحيزا إلى فئة} وقلنا: التحيز بمعنى التنحي عن جانب إلى آخر حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الأمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة.

وفي هذا الصدد أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: كنت في سرية من سرايا رسول صلى الله عليه وسلم فحاص 22 الناس حيصة فكنت فمين حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قال: لو دخلنا المدينة ثم بينا - ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا - فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: (من القوم؟) فقلنا: نحن الفرارون - فقال: لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وأنا فئة للمسلمين) فأتيناه حتى قبلنا يده، ومعنى قوله: (العكارون) أي العطافون.

وكذلك قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في أبي عبيدة لما قتل على الجسر بأرض فارس لكثرة الجيش من ناحية المجوس - فقال عمر: لو تحيز إلي لكنت له فئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت