قوله: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) عقدة النكاح هي العقد بين الراغبين في التناكح والمؤلّف من ركنيه الإيجاب والقبول - ويراد بالكتاب العدّة - والمعنى أنه ليس لكم أن تعقدوا عقد النكاح على النساء المتوفى عنهن أزواجهن ولم تنقض عدّتهن بعد.
وقد وقع الإجماع على أنه لا يصح العقد على المرأة حال عدّتها، بل إن ذلك حرام قد نهى عنه الشرع - وإذا تزوج الرجل المرأة في عدتها ولم يدخل بها وجب فسخ العقد، ثم يكون الرجل بعد ذلك خاطبا من الخطّاب إن شاء وقيل إن التحريم يقع مؤبدا مادام العقد قد وقع أثناء العدّة وإن لم يتم الدخول، أما إذا وقع الدخول بعد العقد وفي العدّة وجب الفسخ أولا، ثم تحرم المرأة على التأبيد وهو ما ذهب إليه الإمام مالك مستندا في ذلك إلى ما قاله عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: أيما امرأة نكحت في عدّتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فُرّق بينهما ثم اعتدت بقية عدّتها من زوجها الأول وكان خاطبا من الخطّاب، وإن كان دخل بها فُرّق بينهما ثم اعتدّت بقية عدّتها من زوجها الأول، ثم اعتدّت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدا.
لكن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنها لا تحرم على التأبيد، بل لمن دخل بها في عدّتها أن يخطبها بعد انقضاء عدّتها 307.
قوله: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) يحذّر الله عباده مما يكنونه في ضمائرهم من نوايا، فإن عليهم أن يخافوه، ويحذروا عذابه وبطشه، وأن يتجنبوا ما نهاهم عنه، وأن يمتثلوا لما بيّن للناس من حدود.
ثم إن الله لا يريد للعباد أن يعيشوا مع اليأس أو يقطعوا مع الله حبل الرجاء، بل عليهم أن يعلموا أن الله جلت قدرته (غفور حليم) فهو غفّار للذنوب يتجاوز عن المعاصي والخطايا، وهو كذلك حليم، يتجاوز عن السيّئات، ويشمل العباد بأفياء رحمته التي وسعت كل شيء 308.
قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير) .
تتضمن هذه الآية جملة أحكام فقهية تتعلق بالمطلقات وما لهن من حق الفريضة (المهر) والمتعة - ويتحدد ذلك كله في ضوء الحال التي عليها المرأة من الطلاق قبل المسيس أو بعده، ومن فرض المهر لها أو عدمه.
ويمكن القول إن المطلقات في هذا الشأن أربع:
الأولى: مطلقة مدخول بها ومفروض لها المهر، فهذه لها المهر كله بغير خلاف، وليس للزوج المطلق أن يسترد من مهرها المسمى شيئا حتى وإن كان الدخول لأدنى فترة من الزمن.
الثانية: مطلقة غير مفروض لها المهر، ولا مدخول بها، فإن لها المتعة وهي تعويض المرأة بشيء من المال تعطاه بحسب الحال من اليسار أو الإعسار الذي عليه الرجل.
الثالثة: مطلقة مفروض لها المهر، لكنها غير مدخول بها، فإن لها نصف ما سمّي لها من صداق - وذلك جاء قوله في الآية: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) .