قوله: (رب السماوات والأرض وما بينهما) (رب) ، بدل من (ربك) وقيل: خبر لمبتدأ - والتقدير: هو رب السماوات والأرض 36؛ أي أن الله خالق ذلك كله - وهو سبحانه المتصرف في الكون بلا معقب ولا ولي ولا نديد - فما ينبغي لجلاله العظيم وقدرته البالغة أن يغفل أو ينسى أو يترك أولياءه وأنبياءه المقربين.
قوله: (فاعبده واصطبر لعبادته) الفاء لترتيب ما بعدها من مقتضى العبادة والصبر على ما قبلها من كون الله رب كل شيء في السماوات والأرض وما بينهما، أو من كونه غير تارك ولا ناس أولياءه المقربين، فمن أجل ذلك كله أعبد الله بتمام طاعته والخضوع لجلاله والإذعان لجنابه - واصبر على مشاق عبادته ولا تعبأ مما يقوله الكافرون من إبطاء الوحي عليك؛ فإن الله لطيف بك وهو يرعاك ويكتب لك الأمان والسلامة والتوفيق.
قوله: (هل تعلم له سميا) الاستفهام يفيد النفي - والسمي، بمعنى المضاهي والمثيل - وقيل: الشريك في اسم الله العظيم - والمراد: نفي العلم بأن يسمى أحد باسم الله، غير الله سبحانه؛ فهؤلاء المشركون بالرغم من غلوهم وإسرافهم في تقديس الأصنام وتعظيمها؛ فإنهم لا يسمون الصنم باسم الله أو فيما يختص بالله تعالى، كالاسم الجليل وهو الله أو الرحمن 37.
قوله تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما متّ لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) } ذكر أنها نزلت في أبي بن خلف - وقيل: في الوليد بن المغيرة - وقيل: في أبي جهل - والظاهر أنها في الكافرين المكذبين بالبعث؛ فإنهم مرتابون في قيام الساعة؛ فالإنسان ههنا في الآية يراد به جنس الكافرين الجاحدين من الناس كأمثال أبيّ والوليد وأبي جهل وغيرهم من كبراء المشركين يكذبون بقيام الساعة ويعجبون من القول ببعث الإنسان بعد الموت وهو قوله: (أإذا مت لسوف أخرج حيا) الهمزة، للإنكار، واللام للابتداء والتوكيد وإذا، ظرفية (أخرج) ، حال مؤكدة 38، والمراد من الإخراج، ما كان من الأرض أو من حال الفناء - هكذا يقول الكافرون المكذبون، وهم يجحدون في استعباد وسخرية- بعثهم من الموت والفناء إلى الدار الآخرة للحساب والجزاء.
قوله: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} الهمزة للإنكار والتوبيخ، مؤخرة عن حرف العطف تقديرا وهو قول أكثر المفسرين وبذلك توسطت الهمزة ههنا بين المعطوف وحرف العطف 39 - والمعنى: أيقول الإنسان قوله من جحود البعث ولا يتذكر أو يتدبر حال النشأة الأولى؛ إذ لم يكن موجودا - وبعبارة أخرى: فقد خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئا، أفلا يخلقه الله بعد أن كان شيئا - فلئن خلقه من عدم فخلْقه من رفات وهو شيء، أهون وأسهل.