قوله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون 5 يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم يظنون 6 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين 7 ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} .
الكاف في قوله: {كما} للتشيبه، وفيها ثلاثة أوجه: الأول: أنها في موضع نصب صفة لمصدر محذوف دل عليه الكلام - وتقديره: قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كم أخرجك ربك.
الثاني: أنها صفة لمصدر محذوف وتقديره: يجادلونك جدلا كما أخرجك.
الثالث: أنها وصف لقوله: {حقا} وتقديره: أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك 4.
واختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: {كما أخرجك ربك} فقد قيل في معنى ذلك: إن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغاني وتخاصمتم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسم الله ورسوله فقسمها بينكم على التسوية والعدل؛ لكون ذلك هو المصلحة الكاملة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج لقتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين حرجوا لإحراز عيرهم والقتال دون أصنامهم وشركهم، فكان عاقبة كرههم للقتال أن قدره الله عليكم فجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد فكتب لكم فيه النصر والخير {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقيل: معنى ذك: كما أخرجك ربك يا محمد من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال؛ فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم 5.
قوله: {يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون} جملة {يجدلونك} في محل نصب على الحال - وتفصيل المعنى: أنه لما ندب الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى العير، وفاتتهم العير، وأمرهم الله بقتال المشركين من غير استعداد ولا كثير أهبة، شق ذلك عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا له عدته؛ فهم بذلك يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم {في الحق} أي في القتال {بعد ما تبين لهم} أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بشيء إلا بإذن الله - وقيل: بعد ما تبين لهم ان الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بالمشركين من أهل مكة - فإذا فاتت العير فلابد بعد ذلك من لقاء أهل مكة والظفر بهم - والمراد من ذلك، الإنكار لمجادلة المسلمين - وهم في مجادلتهم هذه {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} أي أن هؤلاء الذين يجادلون في لقاء العدو، إذا دعوا للقائهم من أجل القتال، كأنما يساقون إلى الموت، من فرط كراهيتهم لقتالهم {وهم ينظرون} أي يشاهدون أسباب الموت ولا يشكون فيها؛ فهم يعلمون أن ذلك واقع بهم لا محالة.