لقد دهمت المسلمين من القلاقل والفتن التي كثيرا ما عصفت بكلمتهم ووحدة صفهم بعد أن انقلبوا شيعا مختلفي الأهواء وبعد أن استحوذ عليهم الشيطان وطغى عليهم حظ النفس من الدنيا في كثير من الأحيان فدارت بينهم معارك وحروب طاحنة أزهقت فيها أنفس كثيرة - وذلك عقيب لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى - مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من فداحة الاختلاف في الأهواء أو الحرص المتكالب على حظ النفس من الدنيا، بما يفضي في النهاية إلى اختلاف القلوب وتنافرها ثم الاقتتال والاحتكام إلى السيف فقال عليه السلام:"لا تنقلبوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف"فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ قال:"نعم".
وذلك الذي حل بالمسلمين وا أسفاه! إذ انصاعوا لنداء الشيطان يحرض شيعهم وفرقهم على الحرب والاقتتال - مع أن جدير بالمسلمين أن يكونوا أكثر أمم العالمين طرا تماسكا وائتلافا وانسجاما ما دامت عقيدتهم الراسخة العظيمة قائمة على التوحيد - وهي تدعو بالضرورة إلى الوحدة والتئام الصفوف - لقد كان جديرا بالمسلمين أن يظلوا طوال الدهر أحرص الناس على الإخاء والوحدة وتمام التلاقي في إطار العقيدة والدين وأن لا يفتلهم عن ذلك أي سبب من أسباب الغواية أو الهوى أو حب الدنيا والحرص على الشهوات.
قوله: {انظر كيف نصرف الأيات لعلهم يفقهون} أي نبين لهم الدلائل والحجج، أو من أنواع الكلام ما بين وعد ووعظ ووعيد لكي يعتبروا فيذكروا أو يزدجروا عما هم عليه من الشرك و التكذيب 79.
وقوله تعالى: {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون} الضمير في قوله: {به} يعود إلى القرآن، فإنه الحق المنزل من عند الله - وقيل: يعود إلى العذاب الذي توعدهم الله به، وهو الحق، فلا بد أن ينزل بهم.
قوله: {قل لست عليكم بوكيل} أي لست عليكم بحفيظ ولا رقيب حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن تصديق الحق وقبوله.
قوله: {لكل نبإ مستقر} أي لكل خبر يخبره الله تعالى كما لو كان وقتا أو مكانا - قرار يستقر عنده أو نهاية ينتهي إليها من غير خلف ولا تأخير.
قوله: {وسوف تعلمون} وهذا وعيد من الله يخوف به المشركين المعاندين الذين يعدلون بربهم الأصنام والأنداد - أي سوف تعلمون أيها المشركون المكذبون صحة ما أخبركم به من الوعيد وحلول العذاب بكم، إذ تعاينون ذلك بأنفسكم وقد وقع لما قتلوا بأيدي المؤمنين 80.
قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في ءايتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسيك الشيطن فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين} يخوضون، من الخوض وهو التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب 81 والمراد هنا من الخوض: الشروع في آيات الله بالتكذيب والاستهزاء والطعن.