يبين الله في ذلك حقيقة المنافقين الكاذبين الذين يكنون في صدورهم الغيظ والكراهية للإسلام والمسلمين فهم يحرّضون الكافرين من أهل الكتب على قتال الرسول والمسلمين، ويعدونهم بالنصرة والتأييد ويحلفون لهم أنهم لن يتخلوا عنهم إذا حوربوا، والله يشهد إنهم لكاذبون - أولئك هم المنافقون المذبذبون الذين يتدسّسون في الظلام ليكيدوا للإسلام والمسلمين كيدا - وهم في كل الأحوال مخذولون مفضوحون، فما يلبثون أن يظهروا وينكشفوا فيعلمهم الناس - فقال سبحانه: {ألم تر الى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} يبين الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن المنافقين وفي طليعتهم عبد الله بن أبي ابن سلول - بعثوا ليهود بني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتالهم - أن اثبتوا لقتال محمد والمسلمين فإنا مؤيدوكم وناصروكم ولن نتخلى عنكم - فلئن قاتلكم المسلمون قاتلنا معكم ولئن أخرجوكم فإنا خارجون معكم - فاغترّ اليهود بهذا القول من المنافقين وانتظروا منهم أن يعينوهم ويقاتلوا معهم لكنهم لم يجدوا منهم شيئا وقد قذف الله في قلوبهم الرعب فتولوا هاربين - وهو قوله: {لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا} يعني لا نطيع أحدا يسألنا أن نخذلكم ونتخلى عنكم، ولكننا معكم في التأييد والمناصرة، {وإن قوتلتم لننصرنكم} يعني إن قاتلكم محمد والمسلمون فلسوف نكون معكم لمناصرتكم وتأييدكم - {والله يشهد إنهم لكاذبون} الله جل جلاله يشهد أن هؤلاء المنافقين كاذبون فيما وعدوا به بني النضير من العون والنصر.
قوله: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} يعني: لئن أخرج بنو النضير من ديارهم فأجلاهم المسلمون عنها فإن المنافقين غير خارجين معهم - ولئن قاتلهم النبي والمسلمون فإن المنافقين لا يقاتلونهم فينصرون بني النضير - بل إنهم كاذبون فيما وعدوهم به من الخروج معهم والقتال في صفهم {ولئن نصروهم ليولّنّ الأدبار} أي لئن نصر المنافقون بني النضير فقاتلوا معهم فلسوف يولون الأدبار هاربين مهزومين {ثم لا ينصرون} أي لا ينصر الله بني النضير وإنما الله خادلهم وهازمهم - وقد حصل ذلك كله، إذ لم ينصرهم المنافقون ولم يقدموا لهم نفعا بل أسلموهم وخذلوهم وتخلوا عنهم فكان عاقبتهم الهزيمة والجلاء.
قوله: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} يعني لأنتم أيها المسلمون أعظم خشية وخوفا في قلوب بني النضير من الله - فهم لقلة يقينهم وهوان عقيدتهم وخور عزائمهم يخشونكم أنتم يا معشر المسلمين أكثر مما يخشون ربهم {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} وسبب ذلك أنهم لا يقدرون الله حق قدره ولا يجدون لله سلطانا ومهابة في قلوبهم وإنما هم يستخفون بعظمة الله وكبير شأنه وجلاله.